الأخطاء الطبية .. من يتحمل المسؤولية: الطبيب أم المنظومة الصحية؟
بقلم : د.يسلم راجي باكربشات
الاربعاء 21 اكتوبر 2026
لا يمر شهر دون أن تهز الرأي العام حادثة طبية جديدة. مريض دخل لإجراء عملية بسيطة فخرج جثة، طفل أُعطي جرعة خاطئة، أو تشخيص خاطئ حول حياة أسرة كاملة إلى مأساة. وبين جدران المستشفيات وأروقة النيابات، يبقى السؤال الذي يتردد في كل بيت : عندما يدفع المريض الثمن من صحته أو حياته، هل نلوم الطبيب وحده، أم أن المنظومة كلها متهمة؟
*أولاً: أصابع الاتهام تتجه للطبيب*
في نظر الشارع، الطبيب هو المسؤول الأول. ويستند المواطنون في ذلك إلى مشاهد تتكرر في كثير من المنشآت:
التسرع في التشخيص وصرف أدوية قوية دون فحوصات تأكيدية، وتسليم حالات معقدة لكوادر حديثة التخرج دون إشراف استشاري، بالإضافة إلى اندفاع بعض المراكز الخاصة لإجراء عمليات تفوق تجهيزاتها بهدف الربح المادي.
*ثانياً: ما الذي يحدث خلف الكواليس؟*
عند النظر في وضع أطباء وممرضين يعملون في مستشفيات حكومية ، تنكشف صورة أخرى قاتمة لبيئة عمل قاسية أهمها:
*الإجهاد البدني والنفسي:* طبيب أو ممرض واحد يغطي عشرات المرضى ويعمل 24 إلى 36 ساعة متواصلة بسبب النقص الحاد في الكوادر التخصصية. الإرهاق هنا ليس عذراً، بل سبب مباشر للخطأ.
*أجهزة متهالكة:* كثير من المرافق تعمل بأجهزة قديمة بلا صيانة دورية، وبنقص في المستلزمات الطبية الأساسية، مما يجعل نتيجة التحليل أو التخدير خاطئة حتى لو كان الطبيب ماهراً.
*رقابة غائبة:* تراخيص مستوصفات خاصة تُمنح وتُجدد دون تفتيش حقيقي على معايير السلامة.
*بين الخطأ والمضاعفات* :
جزء من الأزمة هو الخلط الشائع بين الخطأ الطبي الناتج عن الإهمال والتقصر، وبين المضاعفات الطبية المقبولة علمياً والتي قد تحدث رغم التزام الطبيب بأعلى معايير الحرص.
ويرى خبراء أن هذا الخلط يعود لضعف التواصل؛ فكثير من الأطباء لا يشرحون مخاطر العملية للمريض قبلها، فيتحول أي تدهور مفاجئ في نظر الأسرة إلى “إهمال وجريمة”.
*إذاً من المسؤول؟*
الحقيقة أن المسؤولية تضامنية:
الطبيب مسؤول عند ثبوت الإهمال الصريح أو تجاوزه لتخصصه.
والمنظومة مسؤولة ، لأنها هي التي تخلق بيئة الخطأ: طبيب مرهق، جهاز معطل ونقص في المعدات، لا بروتوكول أمان، ولا لجنة تحقيق تحاسب المقصر وتبرئ البريء.
*خارطة طريق لبيئة آمنة*
لحماية المريض والحفاظ على كرامة الطبيب معاً، يجب الالتزام بالخطوات الآتية :
1. تشكيل لجان تحقيق مستقلة طبية وقانونية تبت في الشكاوى خلال أسابيع.
2. تنظيم ساعات العمل ومنع المناوبات الطويلة.
3. تشديد الرقابة على منح تراخيص المنشآت الخاصة وربطها بمعايير الجودة.
4. إلزام المستشفيات بلوائح حقوق المريض وشرح المخاطر كتابة قبل أي تدخل.
إن سلامة المريض ليست رفاهية، وكرامة الطبيب ليست محل مساومة. وعندما ننتقل من محاكمة الأفراد إلى إصلاح المنظومة الطبية ، سنستعيد ثقة المواطن في أطبائه ومستشفياته.






