اللواء الركن فرج سالمين البحسني يكتب : الجنوب أمام استحقاق التاريخ.. من قوة الإرادة الشعبية إلى بناء الدولة وصناعة القرار –
تاربة اليوم
2026-10-19 06:27:00
اللواء الركن فرج سالمين البحسني يكتب : الجنوب أمام استحقاق التاريخ.. من قوة الإرادة الشعبية إلى بناء الدولة وصناعة القرار
الاحد 18 اكتوبر 2026 – الساعة:21:27:29
( / كتب: اللواء الركن فرج سالمين البحسني -)
مقدمة: من قوة الجماهير إلى قوة المؤسسات
لقد أثبت شعب الجنوب، من خلال المليونيات الحاشدة والفعاليات الوطنية الكبرى، أنه شعب يمتلك إرادة سياسية راسخة، ووعيًا وطنيًا متجذرًا، وتمسكًا لا يتزعزع بقضيته العادلة، والتفافا واسعًا حول المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بوصفه حاملا سياسيًا رئيسيا لتطلعاته الوطنية.
ولقد حققت هذه المليونيات أهدافًا مهمة في تأكيد الحضور الشعبي، وإيصال رسائل سياسية واضحة إلى الداخل والخارج، وإثبات أن القضية الجنوبية ليست موقفا عابرا أو مطلبا مرحليًا، بل قضية شعب يمتلك إرادته وحقه في تقرير مستقبله السياسي. غير أن عظمة الحضور الجماهيري تفرض على القيادة عظمة المسؤولية السياسية والتاريخية، فالانتصارات الشعبية، مهما بلغت قوتها، لا تتحول تلقائيا إلى مكاسب سياسية دائمة ما لم تسندها مؤسسات فاعلة، ورؤية استراتيجية واضحة، وقيادة تمتلك أدوات التخطيط والتنفيذ والتأثير.
ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تستوجب الانتقال من مرحلة إثبات الحضور الشعبي والسياسي إلى مرحلة بناء القوة المؤسسية، ومن التعبير عن الإرادة الوطنية إلى امتلاك الأدوات القادرة على ترجمتها إلى مشروع سياسي وقانوني ودبلوماسي متكامل.
لقد آن الأوان لأن ينتقل المجلس الانتقالي الجنوبي العربي من إدارة الزخم الشعبي إلى صناعة القرار، ومن الحضور السياسي إلى الفعل المؤسسي، ومن ردود الأفعال إلى المبادرة الاستراتيجية المدروسة.
إن استعادة الدولة الجنوبية، بوصفها الهدف السياسي الذي يتبناه المجلس، لا يمكن تحقيقها بالحشود الجماهيرية وحدها، ولا باللقاءات الدبلوماسية المتفرقة، وإنما تتطلب مشروعًا وطنيا متكاملا يستند إلى المعرفة والتخطيط، والكفاءة المؤسسية، ووحدة الصف، والشرعية الشعبية، والعمل السياسي والقانوني والدبلوماسي الاحترافي. وعليه، فإنني أرى أن أمام قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي فرصة تاريخية لإحداث نقلة نوعية في بنيته وأدائه، وتحويل ما تحقق من مكتسبات شعبية وسياسية إلى قوة منظمة ومؤثرة، قادرة على التعامل مع التحديات الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية بثقة واقتدار.
من خلال:
أولًا: إعادة بناء العمل المؤسسي وتطوير منظومة القيادة
إن قوة أي مشروع وطني لا تقاس فقط بحجم قاعدته الشعبية، وإنما بقدرته على بناء مؤسسات متماسكة، وتوزيع المسؤوليات، وصناعة القرار، واستثمار الكفاءات. ومن هذا المنطلق، تبرز ضرورة إجراء مراجعة شاملة لأداء الهيئات والمؤسسات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي العربي، بهدف رفع كفاءتها وتطوير آليات عملها، وفق المبادئ التالية:
1. إعادة تقييم الهياكل التنظيمية والإدارية للمجلس، ومعالجة أوجه القصور والازدواجية في الاختصاصات.
2. اعتماد مبدأ الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز أساسًا لشغل المواقع القيادية، بعيدًا عن المجاملات والاعتبارات الضيقة.
3. استقطاب الكوادر الجنوبية المؤهلة في المجالات السياسية والقانونية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والإدارية والدبلوماسية.
4. تمكين الشباب المؤهل والدفع بهم إلى مواقع القيادة وصناعة القرار، بما يضمن تجديد الدماء وإعداد جيل قادر على تحمل مسؤوليات المستقبل.
5. تعزيز العمل الجماعي المؤسسي، بحيث لا يرتبط نجاح المؤسسات بالأشخاص بل بالأنظمة والاختصاصات والمسؤوليات الواضحة.
6. إنشاء منظومة للمتابعة والتقييم والمساءلة، وربط أداء المؤسسات بمؤشرات إنجاز محددة.
إن المؤسسات القوية تصنع قيادات قوية، والقيادات الحكيمة تبني دولا، أما الاعتماد على الأشخاص دون مؤسسات فيجعل أي مشروع وطني عرضة للتراجع مهما بلغت شعبيته.
ثانيًا: إنشاء مركز جنوبي للدراسات الاستراتيجية وصناعة السياسات
أرى أن من أهم الأولويات العاجلة إنشاء مركز متخصص للدراسات الاستراتيجية وصناعة السياسات، يكون بمثابة العقل البحثي والاستشاري للمجلس الانتقالي الجنوبي، ويضم نخبة من الخبراء والباحثين والمتخصصين الجنوبيين. ويتولى المركز المهام التالية:
. إعداد الدراسات الاستراتيجية المتعلقة بمستقبل الجنوب، والمتغيرات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية المحيطة به.
. تحليل مواقف القوى الإقليمية والدولية تجاه القضية الجنوبية، وتحديد المصالح المشتركة وفرص بناء التفاهمات.
. إعداد تقديرات موقف دورية للقيادة السياسية بشأن المستجدات والتحديات والفرص.
. وضع سيناريوهات مستقبلية للتعامل مع مختلف التطورات، وتقديم بدائل عملية لصانع القرار.
. إعداد دراسات متخصصة حول مؤسسات الدولة المستقبلية، والاقتصاد، والأمن والعلاقات الخارجية.
. بناء قاعدة معلومات وطنية موثوقة تدعم اتخاذ القرار بعيدًا عن الارتجال والانطباعات الشخصية.
ويجب أن يتمتع هذا المركز بالاستقلال المهني اللازم لإنتاج تقييمات موضوعية وأن يرتبط مباشرة بالقيادة العليا لضمان وصول الدراسات والتوصيات إلى مراكز القرار.
فالقضايا المصيرية لا تُدار بالتقديرات العابرة، وإنما بالعقول المتخصصة والمعلومات الدقيقة والتخطيط بعيد المدى.
ثالثًا: بناء مرجعية قانونية متكاملة للقضية الجنوبية
إن المعركة السياسية والدبلوماسية لا تقل أهمية عن أي جهد وطني آخر، ولا يمكن خوضها بفاعلية دون امتلاك ملف قانوني متكامل يعرض القضية الجنوبية بلغة القانون الدولي والوقائع التاريخية والحقوق السياسية.
وعليه، أقترح تشكيل هيئة قانونية عليا تضم نخبة من الخبراء الجنوبيين في القانون الدولي والدستوري وحقوق الإنسان، إلى جانب الاستعانة بخبرات قانونية دولية متخصصة.
وتتولى هذه الهيئة:
1. إعداد ملف قانوني وتاريخي موثق للقضية الجنوبية، يتناول مختلف مراحلها وتطوراتها.
2. دراسة الأسس القانونية والسياسية لمطلب استعادة الدولة وحق تقرير المصير وتقييم الفرص والتحديات المرتبطة به.
3. إعداد مذكرات قانونية وحقوقية احترافية قابلة للتقديم إلى الجهات والمؤسسات الدولية المختصة.
4. توثيق الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، وفق المعايير القانونية والمهنية المعتمدة.
5. إعداد تصورات دستورية وتشريعية لمستقبل الدولة المنشودة، تضمن المواطنة المتساوية وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات.
6. دراسة المسارات القانونية والسياسية الممكنة للتوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة للقضية الجنوبية.
والهدف هو الانتقال من الخطاب السياسي العام إلى خطاب قانوني مؤسس، قادر على مخاطبة المؤسسات الدولية بلغتها، والتعامل مع الاعتراضات والتحديات بحجج موثقة ومدروسة.
رابعًا: تطوير الدبلوماسية الجنوبية والانتقال إلى التأثير في مراكز القرار
إن الحضور الدبلوماسي لا ينبغي أن يقتصر على اللقاءات الرسمية أو الزيارات البروتوكولية، بل يجب أن يتحول إلى عمل سياسي مؤسسي مستمر، يقوم على وضوح الأهداف، ودقة الرسائل، وفهم مصالح الدول ومواقفها. وأقترح في هذا الإطار:
1. إنشاء وحدة متخصصة للتخطيط الدبلوماسي والعلاقات الدولية، تعمل وفق استراتيجية معتمدة من القيادة.
2. إعداد ملفات سياسية وقانونية واقتصادية مختصرة واحترافية بلغات متعددة توضح رؤية المجلس ومواقفه وتصوراته المستقبلية.
3. تطوير قنوات التواصل مع الحكومات والبرلمانات ومراكز الدراسات والمؤسسات الدولية والبعثات الدبلوماسية، عبر الأطر الرسمية والقانونية المتاحة.
4. بناء علاقات متوازنة مع الشركاء الإقليميين والدوليين، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل وعدم الارتهان لطرف واحد.
5. تأهيل كوادر دبلوماسية جنوبية شابة تمتلك المعرفة السياسية والقانونية واللغوية والقدرة على التفاوض.
6. توحيد الخطاب السياسي الخارجي، وتجنب التصريحات المتناقضة التي قد تضعف الموقف التفاوضي.
7. إعداد استراتيجية خاصة للتعامل مع المتغيرات في مواقف القوى المؤثرة في الملف اليمني والجنوب.
إن قوة الدبلوماسية لا تقاس بعدد اللقاءات التي تعقد، وإنما بحجم التفاهمات التي تبنى، والمواقف التي تتطور، والمصالح التي تصان، والنتائج التي تتحقق.
خامسًا: تشكيل فريق وطني رفيع لتنفيذ توجيهات الرئيس عيدروس الزبيدي
إن ما تضمنته كلمة الرئيس عيدروس بن قاسم الزبيدي من توجهات وأهداف وطنية ينبغي ألا يبقى في إطار الخطاب السياسي، بل يجب ترجمته إلى برنامج عمل تنفيذي واضح، بمهام محددة ومسؤوليات مباشرة وجداول زمنية ملزمة. ولهذا أقترح تشكيل فريق وطني تنفيذي رفيع المستوى، يضم شخصيات ذات خبرة وكفاءة من مختلف التخصصات والقطاعات:
. القيادات السياسية والإدارية.
. الشخصيات الاجتماعية والقبلية المؤثرة.
. الخبراء العسكريين والأمنيين.
. القانونيين والدبلوماسيين.
. الأكاديميين والاقتصاديين.
. الكفاءات الشبابية والنسائية.
ويُكلف الفريق بإعداد خطة تنفيذية عاجلة، وتشكيل لجان تخصصية تتولى النزول الميداني والتواصل المباشر مع مختلف المكونات والشرائح الاجتماعية. ويجب أن يتمتع هذا الفريق بصلاحيات واضحة، وأن يقدم تقارير دورية إلى رئيس المجلس، تتضمن ما أنجز، وما تعثر، وأسباب التعثر، والحلول المقترحة.
فالمرحلة لم تعد تحتمل الاكتفاء بإصدار التوجيهات، وإنما تتطلب الانتقال إلى التنفيذ والمحاسبة وقياس النتائج.
سادسًا: وحدة الصف الجنوبي وبناء شراكة وطنية واسعة
إن وحدة الصف الجنوبي ليست مجرد شعار سياسي، بل ضرورة استراتيجية وأحد أهم مقومات نجاح المشروع الوطني.
وعليه، فإنني أرى ضرورة تشكيل لجنة عليا للحوار والتوافق الجنوبي، تتولى التواصل مع مختلف القوى والمكونات والشخصيات السياسية والاجتماعية والقبلية بما فيها الأطراف التي تختلف مع المجلس في بعض المواقف والتصورات. ويجب أن يقوم هذا الحوار على المبادئ التالية:
1. تغليب المصلحة الوطنية العليا على الخلافات الشخصية والحزبية والمناطقية.
2. توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإشراك مختلف المحافظات والمكونات الجنوبية في صياغة الرؤية الوطنية.
3. اعتماد الحوار وسيلة لمعالجة الخلافات، ورفض الإقصاء والتخوين والتحريض.
4. احترام التنوع السياسي والاجتماعي، وعدم اعتبار الاختلاف في الرأي خروجًا عن الثوابت الوطنية.
5. معالجة المظالم والتباينات بصورة عادلة وشفافة، وبناء الثقة بين مختلف الأطراف.
6. وضع ميثاق شرف وطني ينظم العلاقات السياسية ويحفظ السلم الأهلي.
كما ينبغي إعطاء أهمية خاصة لمحافظة حضرموت وبقية المحافظات الجنوبية واحترام خصوصياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وضمان شراكتها العادلة في القرار والثروة والسلطة.
إن الجنوب القوي هو الجنوب الذي يتسع لجميع أبنائه، والمشروع الوطني الذي يسعى إلى بناء دولة عادلة يجب أن يقدم نموذجًا عمليًا للعدالة والشراكة قبل قيام الدولة.
سابعًا: تعزيز الجاهزية الدفاعية والأمنية وحماية الاستقرار
إن حماية الجنوب والحفاظ على أمنه واستقراره ومكتسباته مسؤولية وطنية كبرى تتطلب رؤية أمنية ودفاعية مهنية تتجاوز المعالجات المؤقتة. ومن الضروري تشكيل لجنة متخصصة لتقييم الاحتياجات الدفاعية والأمنية، ووضع تصور شامل لتعزيز الجاهزية المؤسسية، بالتنسيق مع الجهات العسكرية والأمنية المختصة، ووفق الأطر القانونية ذات الصلة. وتشمل الأولويات:
1. تطوير منظومة القيادة والتنسيق بين التشكيلات العسكرية والأمنية، والحد من ازدواجية الاختصاصات.
2. تعزيز التأهيل والتدريب والانضباط المهني، وترسيخ مبدأ خضوع المؤسسات العسكرية والأمنية للقيادة المسؤولة والمساءلة القانونية.
3. رفع كفاءة حماية المنشآت الحيوية والموانئ والمطارات والمرافق الاقتصادية والخدمية.
4. تطوير آليات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات والاستجابة للطوارئ.
5. تحسين أوضاع منتسبي المؤسسات العسكرية والأمنية ورعاية أسر الشهداء والجرحى.
6. تعزيز حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
7. إعطاء الأولوية للتهدئة ومنع الصراعات الداخلية، وتجنب استنزاف القوات في مواجهات لا تخدم أمن الجنوب واستقراره.
إن القوة العسكرية الحقيقية ليست في امتلاك السلاح وحده، بل في وحدة القيادة، والانضباط والاحتراف، وحسن تقدير الموقف، والقدرة على حماية الشعب وصون الأمن ومنع الفوضى.
ثامنًا: الاقتصاد والخدمات أساس الاستقرار والمصداقية السياسية
إن أي مشروع سياسي لا يستطيع المحافظة على ثقة المجتمع ما لم يضع معاناة المواطنين واحتياجاتهم الأساسية في صدارة أولوياته.
فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة ينتظر من قياداته حلولا عملية، لا خطابات سياسية فحسب.
وعليه، ينبغي تبني برنامج اقتصادي وخدمي عاجل بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والجهات المختصة، يقوم على:
1. إعطاء أولوية قصوى للكهرباء والمياه والصحة والتعليم وصرف الرواتب.
2. دعم إصلاح المؤسسات المالية والإدارية وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد.
3. إعداد رؤية اقتصادية لتنمية الموارد المحلية، وتشجيع الاستثمار وخلق فرص العمل.
4. تطوير الموانئ والمطارات والمناطق الاقتصادية، والاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي للجنوب.
5. إعداد خطط تنموية تراعي احتياجات المحافظات وتضمن عدالة توزيع المشاريع والموارد.
6. دعم القطاع الخاص ورواد الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخاصة المبادرات الشبابية.
7. إنشاء آلية دورية لقياس رضا المواطنين ومتابعة الشكاوى والاحتياجات الخدمية.
فنجاح القيادة في تحسين حياة الناس يمنح المشروع الوطني مصداقية لا تستطيع أن توفرها الخطب والشعارات وحدها.
تاسعًا: إعادة بناء المنظومة الإعلامية وتطوير الخطاب الخارجي
لقد أصبح الإعلام أحد أهم أدوات التأثير في الرأي العام وصناعة الصورة السياسية، ولذلك فإن تطويره يمثل ضرورة لا تقل أهمية عن تطوير العمل السياسي والدبلوماسي.
وأقترح إنشاء منظومة إعلامية مهنية متكاملة، تتضمن:
. مركزًا إعلاميًا متخصصا في الاتصال الاستراتيجي وإدارة الأزمات.
. فريقا محترفًا لإنتاج المحتوى السياسي والحقوقي والإعلامي الموجه إلى الخارج بلغات متعددة.
. برامج لتأهيل المتحدثين الرسميين والكوادر الإعلامية.
. آلية للتحقق من المعلومات ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة بالحقائق والأدلة.
. سياسة إعلامية موحدة تراعي المصالح الوطنية وتحافظ على العلاقات الإقليمية والدولية.
. تطوير الإعلام الرقمي وتقديم محتوى يبرز التاريخ والهوية والثقافة والفرص الاقتصادية في الجنوب.
وينبغي أن يكون الخطاب الإعلامي مسؤولا ومتزنا، قويًا في مضمونه، دقيقا في معلوماته، بعيدًا عن المبالغات والإساءات والاستفزاز غير الضروري.
فالإعلام الناجح لا يكتفي بإقناع المؤيدين، بل يمتلك القدرة على مخاطبة المترددين وتوضيح الحقائق للمختلفين، وبناء الثقة لدى الرأي العام الخارجي.
عاشرًا: إعداد مشروع متكامل لمستقبل الدولة الجنوبية
إن المطالبة باستعادة الدولة ينبغي أن تترافق مع تقديم تصور واضح لطبيعة هذه الدولة، ومؤسساتها، ونظام الحكم فيها، وضماناتها الدستورية، وأولوياتها الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا، أقترح تشكيل لجنة وطنية من الخبراء والمتخصصين لإعداد وثيقة استراتيجية بعنوان: “رؤية الجنوب لبناء دولة المؤسسات والقانون”
وتتناول الوثيقة المحاور التالية:
1. شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطات.
2. الضمانات الدستورية لحقوق المواطنين والحريات العامة.
3. استقلال القضاء وسيادة القانون ومكافحة الفساد.
4. الشراكة العادلة بين المحافظات واللامركزية الإدارية والمالية.
5. إدارة الثروات والموارد الطبيعية وفق مبادئ الشفافية والعدالة.
6. بناء مؤسسات دفاعية وأمنية وطنية محترفة.
7. السياسات الاقتصادية والاستثمارية والتنموية.
8. العلاقات الخارجية وحسن الجوار واحترام الالتزامات الدولية.
9. ضمان التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.
10. تحديد المسارات السياسية والقانونية والسلمية التي تتيح للشعب التعبير عن إرادته وتقرير مستقبله.
ويجب أن تخضع هذه الرؤية لحوار وطني واسع، بما يعزز قبولها ويجعلها مشروعًا جامعا، لا مجرد وثيقة صادرة عن مؤسسة سياسية.
فالعالم لا ينظر فقط إلى المطالب التي ترفعها الشعوب، وإنما ينظر أيضًا إلى قدرة القيادات على تقديم بدائل مسؤولة وقابلة للحياة، تضمن الأمن والاستقرار والحقوق والمصالح المشتركة.
احدى عشر عشر: خارطة الطريق التنفيذية والأولويات الزمنية
حتى لا تبقى هذه الرؤية مجرد أفكار وتوصيات، أقترح اعتماد برنامج تنفيذي مرحلي، يرتبط مباشرة بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ويخضع للمراجعة والتقييم المنتظم.
المرحلة الأولى: التحرك العاجل – خلال 30 يومًا
. تشكيل الفريق الوطني التنفيذي واعتماد اختصاصاته وصلاحياته.
. البدء في مراجعة الهيكل المؤسسي وتحديد مكامن القصور.
. تشكيل لجان الحوار الوطني، والشؤون القانونية، والتخطيط الاستراتيجي والعلاقات الخارجية، والجاهزية الأمنية.
. حصر الكفاءات الجنوبية المؤهلة داخل الوطن وخارجه.
. إعداد مصفوفة تنفيذية لتوجيهات الرئيس عيدروس الزبيدي.
. تحديد القضايا العاجلة التي تستوجب تدخل القيادة ومعالجتها.
المرحلة الثانية: التأسيس والتنظيم – خلال 90 يوما
. إطلاق مركز الدراسات الاستراتيجية، ولو بهيكل تأسيسي محدود.
. إنجاز المسودة الأولى للملف القانوني والسياسي للقضية الجنوبية.
. اعتماد استراتيجية للعلاقات الخارجية والاتصال الإعلامي.
. بدء لقاءات الحوار والتوافق مع مختلف المكونات والشخصيات الجنوبية.
. إعداد برنامج عاجل لدعم الإصلاحات الخدمية والاقتصادية.
. اعتماد مؤشرات أداء واضحة للمؤسسات واللجان.
المرحلة الثالثة: البناء والتوسع – خلال 180 يوما
. استكمال تطوير الهياكل المؤسسية الأساسية.
. إعداد المسودة الأولى لرؤية الدولة ومؤسساتها المستقبلية.
. توسيع برامج تأهيل الشباب والكوادر السياسية والدبلوماسية.
. تطوير قنوات التواصل الإقليمي والدولي المؤسسي.
. تقديم تقرير شامل عن التقدم المحرز والعقبات والاحتياجات.
. مراجعة الأولويات وإعادة توجيه الموارد وفق النتائج الفعلية.
المرحلة الرابعة: التقييم الاستراتيجي – خلال عام
إجراء تقييم شامل لمستوى التطور المؤسسي والسياسي والقانوني والدبلوماسي والاقتصادي، وقياس مدى تقدم المجلس في بناء شراكة وطنية واسعة وتعزيز قدرته على إدارة الاستحقاقات المستقبلية.
ويجب أن تصاحب هذه المراحل ميزانية تقديرية، وتوزيع واضح للمسؤوليات وآليات رقابة ومساءلة، حتى لا تتحول الجداول الزمنية إلى التزامات شكلية.
اثني عشر: متطلبات النجاح وضمانات التنفيذ
إن نجاح هذه الخارطة يتطلب توفر جملة من الشروط الأساسية، وفي مقدمتها:
أولا: الإرادة السياسية. أن تتبنى القيادة العليا هذه الرؤية بوصفها مسارا استراتيجيا ملزما، لا مجرد توصيات قابلة للتأجيل.
ثانيًا: وحدة القرار. ضمان التنسيق بين الهيئات السياسية والتنفيذية والعسكرية والأمنية، ومنع التضارب في الاختصاصات والتوجهات.
ثالثًا: الكفاءة قبل الولاء الشخصي. فتح المجال أمام الكفاءات الوطنية المؤهلة وتغليب المصلحة العامة على المحاصصة والمجاملات.
رابعًا: الشفافية والمساءلة. إخضاع المؤسسات والبرامج للتقييم المنتظم، ومحاسبة المقصرين، ومكافأة أصحاب الإنجاز.
خامسًا: الاستقلالية في التقدير وحكمة العلاقات بناء القرار السياسي على المصالح الوطنية المدروسة، مع الحفاظ على علاقات متوازنة وبنّاءة مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
سادسًا: توحيد الجهود والموارد. توجيه الإمكانات المتاحة نحو الأولويات الحقيقية والحد من الهدر وتكرار الأنشطة غير المنتجة.
سابعًا: التواصل المستمر مع الشعب. إشراك المجتمع في تقييم الأداء، والاستماع إلى هموم المواطنين، وإطلاعهم على ما يتحقق من تقدم وما يواجه العمل من تحديات.
الخاتمة: مسؤولية المرحلة واستحقاقات المستقبل
إن الجنوب يقف أمام مرحلة دقيقة ومفصلية، تتداخل فيها التحديات الداخلية مع التحولات الإقليمية والدولية، وتتعاظم فيها مسؤولية القيادة في المحافظة على المكتسبات الوطنية وتطوير أدوات العمل السياسي والمؤسسي.
لقد أدى شعبنا ما عليه، وقدم التضحيات، وأثبت حضوره في الميادين والساحات وعبر عن تطلعاته بإرادة واضحة وعزيمة راسخة.
واليوم، فإن المسؤولية التاريخية تنتقل إلى عاتق القيادة لتحويل هذه الإرادة الشعبية إلى مشروع وطني منظم، يمتلك المؤسسات والكفاءات والرؤية والقدرة على التأثير وصناعة المستقبل.
إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إلى المزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى قرارات شجاعة، وإصلاحات مؤسسية حقيقية، وعمل وطني منظم، وقيادات مؤهلة ودبلوماسية واعية، وإدارة مسؤولة تدرك حجم التحديات وتستوعب تعقيدات الواقع. وليس المطلوب أن نتخلى عن الزخم الجماهيري الذي يمثل مصدرًا أساسيًا للقوة والشرعية الشعبية، وإنما أن نحسن استثماره في بناء مؤسسات راسخة ومشروع سياسي متكامل، يحفظ وحدة الصف ويعزز ثقة المواطن ويقدم للمجتمعين الإقليمي والدولي رؤية واضحة ومسؤولة لمستقبل الجنوب. كما أن قوة المجلس الانتقالي الجنوبي لا ينبغي أن تُقاس فقط بحجم التأييد الشعبي الذي يحظى به، بل كذلك بقدرته على توسيع الشراكة الوطنية، وإدارة الاختلاف وتقديم الحلول، وبناء الثقة، وتحويل الأهداف السياسية إلى برامج قابلة للتنفيذ.
إن التاريخ لا يخلد القيادات بما رفعته من شعارات، بل بما اتخذته من قرارات، وما شيدته من مؤسسات، وما حققته لشعوبها من أمن وكرامة واستقرار.
وإنني، من منطلق المسؤولية الوطنية والحرص على نجاح المشروع الجنوبي، أرى أن الشروع الفوري في هذه الخارطة يمثل ضرورة استراتيجية لا تحتمل التسويف، وفرصة لإحداث تحول نوعي في أداء المجلس ومكانته وقدرته على التعامل مع استحقاقات المرحلة.
فلننتقل من مرحلة الحشود إلى مرحلة المؤسسات، ومن إدارة الأحداث إلى صناعة المبادرات، ومن المطالبة بالمستقبل إلى الاستعداد المسؤول لبنائه.
فالجنوب الذي استطاع أن يثبت إرادته في الميادين، يستحق قيادة ومؤسسات قادرة على ترجمة تلك الإرادة إلى واقع سياسي آمن ومستقر، ودولة عادلة تقوم على النظام والقانون والشراكة والكرامة.
والله ولي التوفيق.
اللواء الركن فرج سالمين البحسني
نائب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي






