اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

قراءة في كتابكتاب “قراءة في خطاب الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت، رئيس مؤتمر حضرموت الجامع، رئيس حلف حضرموت

قراءة في كتابكتاب “قراءة في خطاب الشيخ عمرو بن حبريش وكيل أول محافظة حضرموت، رئيس مؤتمر حضرموت الجامع، رئيس حلف حضرموت

بقلم / المحامي صالح باحتيلي النعماني

قراءة في كتاب “قراءة في خطاب الشيخ عمرو بن حبريش”
يأتي هذا الكتاب بوصفه محاولة للاقتراب من واحدة من أكثر التجارب السياسية الحضرمية إثارة للنقاش في السنوات الأخيرة، ليس من خلال استعراض المواقف والأحداث فحسب، و إنما عبر تفكيك الخطاب السياسي الذي تشكل في سياق حضرمي شديد التعقيد، تتداخل فيه أزمات الدولة مع أسئلة الهوية والحقوق والتمثيل السياسي ومستقبل المحافظة.
فالكتاب لا يتعامل مع خطاب الشيخ عمرو بن حبريش باعتباره مجموعة من التصريحات والمواقف المنفصلة، و إنما ينظر إليه باعتباره خطابا سياسيا متراكمًا يعكس حالة من الوعي الجمعي الحضرمي، تشكلت عبر عقود من التحولات، واستندت إلى ذاكرة تاريخية ترى في حضرموت كيانًا ذا خصوصية اجتماعية وسياسية واقتصادية تستحق أن تكون حاضرة في صياغة مستقبلها.
تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يحصر خطاب الشيخ عمرو بن حبريش في شخص قائله، بل يحاول قراءته بوصفه تعبيراً عن حالة أوسع من الشعور الجمعي. فالمفردات التي تتكرر في الخطاب، مثل الحقوق، والكرامة، والأمن، والشراكة، والتمثيل، والقرار المحلي، وتقرير المصير، لا تظهر باعتبارها شعارات عابرة، وإنما بوصفها مفاتيح لفهم تصور سياسي يتبلور تدريجيًا حول علاقة حضرموت بمحيطها السياسي وخطوات متدرجة نحو مشروع حضرموت كبير سقفه الاستقلال.
ومن هذه الزاوية، يكتسب الخطاب بعدًا يتجاوز الظرف السياسي المباشر؛ إذ يستدعي التاريخ والذاكرة الحضرمية، ويعيد توظيفهما في قراءة الحاضر. وهنا يلفت الكتاب النظر إلى أن الخطاب السياسي لا يولد من فراغ، وإنما يتشكل في العادة من تراكم التجارب، ومن الإحساس بالاختلال بين ما ينبغي أن يكون وما هو قائم بالفعل.
ولعل هذه إحدى أبرز نقاط القوة في الكتاب: محاولة الانتقال من قراءة التصريح إلى قراءة السياق الذي أنتج التصريح.
إعادة تعريف السلطة والشرعية: من أهم القضايا التي يتوقف عندها الكتاب علاقته بمفهوم السلطة. ففي ظل تراجع حضور مؤسسات الدولة وضعف قدرتها على أداء وظائفها لدرجة اشبه بالازمة السياسية والازمة الدستورية، برزت في حضرموت أطر اجتماعية وسياسية وأمنية حاولت ملء جزء من الفراغ القائم وكان أبرزها مؤتمر حضرموت الجامع الذي جميع شتات الكيانات السياسية الحضرمية لأول مرة.
و يقرأ الكتاب حضور حلف قبائل حضرموت، ومؤتمر حضرموت الجامع، وقوات حماية حضرموت ضمن هذا السياق، باعتبارها مؤسسات وأدوات تنظيمية نشأت في بيئة اجتماعية وسياسية مضطربة، وتقدم نفسها بوصفها معبرة عن مصالح المجتمع وحامية لحقوقه ومكتسباته وهي خطوات ذكية وجديرة بالدراسة والتحليل، لقد اتجه بن حبريش بواقعية نحو بناء مؤسسات دولة تستطيع استلام وإدارة حضرموت في الحالات الطارئة او في المرحلة الانتقالية. واستطاع ان يصل الى مرحلة متقدمة من اجبار السلطات المركزية اليمنية على الجلوس على طاولة التفاوض ولأول مرة في تاريخ حضرموت، لقد كان الى مسافة قصيرة من ابرام وثيقة مبادئ مع السلطات المركزية اليمنية لإعادة صياغة العلاقة مع الدولة على أسس صحيحة بعقد دستوري جديد يؤسس لاتحاد تكون حضرموت جزء من اسم الدولة، حيث تحدث عن احتكار الدولة اليمن للهوية على حساب هوية حضرموت، وعن ضمان إضافة نصوص في العقد الدستوري تضمن حق حضرموت في تقرير المصير بعد فترة زمنية محددة.
وهنا يطرح الكتاب سؤالا بالغ الأهمية: أين تبدأ شرعية الدولة وأين تنتهي، وأين تبدأ شرعية المجتمع عندما تعجز الدولة عن القيام بوظائفها؟ فقد تحدث اننا أصبحنا جاهزين لاستكمال السلطات التنفيذية والقضائية و التشريعية، ولدينا خطة دولة متكاملة من اليوم الثاني. خصوصية الحالة الحضرمية تكمن في أن المجتمع المحلي يمتلك بنية اجتماعية متماسكة، وذاكرة سياسية وتاريخية، وقدرة على إنتاج أطرها التنظيمية عندما يشعر بوجود فراغ في إدارة شؤونه.
يتعامل الكتاب مع الحكم الذاتي باعتباره أحد أهم المفاهيم التي تتبلور داخل الخطاب محل الدراسة بهدف بناء مؤسسات دولة قادرة على الانتقال الى مرحلة الاستقلال بسرعة. ولا يقدمه باعتباره مجرد مطلب سياسي منفصل عن الواقع، و إنما يربطه بجملة من الأسباب التي دفعت باتجاهه، وفي مقدمتها ما يراه الخطاب من تهميش، وسوء إدارة، وضعف في الخدمات، واختلال في توزيع الموارد والقرار.
وهذا التحول مهم؛ لأن الخطابات السياسية غالباً ما تكتسب قوتها عندما تنتقل من التشخيص إلى تقديم البديل. فرفض التهميش يمثل مرحلة أولى، بينما السؤال الأكثر تعقيداً هو: ما النموذج السياسي والإداري القادر على ضمان عدم تكرار التهميش؟
ومن هنا يفتح الكتاب الباب أمام نقاش أوسع حول مستقبل حضرموت، وما إذا كان الخيار المحلي قادرا على أن يتحول من مطلب سياسي إلى مشروع مؤسسي متكامل، وما الشروط التي يحتاج إليها مثل هذا المشروع كي يكون قابلا للحياة والاستمرار.
لا يغفل الكتاب العلاقة بين خطاب الشيخ عمرو بن حبريش والشارع الحضرمي، وهي علاقة تبدو أساسية لفهم طبيعة الخطاب وتأثيره. فالخطاب لا يتحرك في فضاء سياسي مغلق، و إنما يتفاعل مع مجتمع يمتلك حساسيته وتطلعاته ومخاوفه. ولذلك يبرز فيه التأكيد على حق التعبير السلمي، باعتباره وسيلة لإيصال المطالب وإدارة الاختلاف بعيدًا عن العنف.
وفي هذا الجانب تحديدا، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة للموازنة بين أمرين متلازمين: الثبات على المبادئ من جهة، والمرونة في التعامل مع المتغيرات من جهة أخرى.
وهذه الموازنة ليست سهلة في السياسة؛ فالثبات المفرط قد يقود إلى الجمود، بينما المرونة غير المنضبطة قد تتحول إلى تنازل عن المبادئ. ومن ثم تبدو قيمة الخطاب في قدرته على التحرك بين هذين الحدين، مع الإبقاء على مجموعة من الثوابت بوصفها مرجعية للموقف السياسي.
يبدو التاريخ في خطاب الشيخ عمرو بن حبريش حاضرا لا باعتباره ماضيا مغلقا، و إنما باعتباره أحد مصادر الشرعية الرمزية للمطالبة بالحضور السياسي الحضرمي. فالاستناد إلى الذاكرة التاريخية يمنح الخطاب قدرة على ربط المطالب الراهنة بمكانتها حضرموت وتجربتها. لكن أهمية هذا الاستدعاء لا تكمن في الحنين إلى الماضي بقدر ما تكمن في كيفية تحويل الذاكرة إلى رؤية للمستقبل. وهنا يضع الكتاب القارئ أمام سؤال جوهري: هل تستطيع الذاكرة التاريخية أن تتحول إلى مشروع سياسي حديث، يستفيد من الماضي دون أن يبقى أسيراً له؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تبدو من أهم التحديات التي تواجه الخطاب السياسي الحضرمي عمومًا.
الكتاب بوصفه وثيقة سياسية: يمكن النظر إلى الكتاب في نهاية المطاف بوصفه أكثر من دراسة لشخصية سياسية أو مجموعة من الخطب؛ فهو يحاول أن يقدم وثيقة لفهم مرحلة من مراحل التحول السياسي في حضرموت. وتكمن قيمته في أنه يرصد، من خلال خطاب واحد، مجموعة من الأسئلة التي أصبحت حاضرة بقوة في المشهد الحضرمي: من يمثل حضرموت؟ من يملك قرارها؟ كيف تُدار مواردها؟ ما حدود علاقة المركز بحضرموت؟ وما الشكل السياسي الذي يمكن أن يضمن لأبنائها إدارة شؤونهم وتحقيق مصالحهم؟
ومع ذلك، فإن القراءة النقدية للكتاب تقتضي ألا تكتفي بتبني مقولات الخطاب، بل أن تضعها أيضًا أمام أسئلة الاختبار: مدى قابلية مشروع حضرموت السياسي للتطبيق، وطبيعة المؤسسات التي يمكن أن تحمله، حدود التوافق المجتمعي حوله، والعلاقة بين الأطر المحلية ومؤسسات الدولة، إضافة إلى كيفية تحويل الخطاب السياسي إلى برنامج إداري واقتصادي وأمني قابل للتنفيذ. فهذه الأسئلة هي التي تفصل بين قوة الخطاب من الناحية الرمزية وبين قدرته على إنتاج واقع سياسي جديد.
في المحصلة، يقدم كتاب «قراءة في خطاب الشيخ عمرو بن حبريش» محاولة لفهم خطاب سياسي حضرمي في مرحلة استثنائية، ويضع هذا الخطاب داخل سياقه التاريخي والاجتماعي والسياسي، بدل التعامل معه بوصفه مواقف متفرقة فرضتها ظروف اللحظة.
وتبرز أهمية الكتاب في أنه يفتح نقاشا حول المشروع السياسي الحضرمي، وحول العلاقة بين المجتمع والدولة، وبين السلطة المركزية والقرار المحلي، وبين الذاكرة التاريخية ومتطلبات المستقبل.
وقد يكون أهم ما يتركه الكتاب لدى القارئ ليس إجابة نهائية عن مستقبل حضرموت، و إنما مجموعة من الأسئلة التي تستحق أن تظل مفتوحة: هل تستطيع حضرموت بناء نموذج سياسي يحفظ خصوصيتها ويستجيب لتطلعات أبنائها؟ وهل يمكن أن تنتقل الأطر الاجتماعية والسياسية التي نشأت في زمن الأزمات من وظيفة الاحتجاج والحماية إلى وظيفة بناء المؤسسات؟ وهل يتحول هذا المشروع من فكرة في الخطاب إلى مشروع متكامل في الإدارة والتنمية والاقتصاد والأمن؟
بهذا المعنى، يصبح الكتاب قراءة في مرحلة سياسية بقدر ما هو قراءة في خطاب رجل سياسي؛ ومحاولة لتوثيق لحظة حضرمية تبحث فيها المحافظة عن موقعها، وصوتها، وحدود قرارها، وصيغة مستقبلها.
فالخطاب الذي يقرأه الكتاب ليس مجرد حديث عن الحاضر، بل محاولة لكتابة تصور عن الغد؛ والغد الحضرمي، كما يوحي الكتاب، سيظل مرتبطا بقدرة المجتمع وقياداته على تحويل الوعي بالحقوق إلى مشروع مؤسسي، وتحويل المطالب السياسية إلى بناء مستدام، وتحويل الذاكرة والتاريخ إلى رؤية حديثة لمستقبل حضرموت وقيام الدولة الحضرمية.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع امام المحكمة العليا.

إغلاق