من باب المندب إلى مأرب والجوف: مَن يحرر الأرض، ومَن يقرر مصيرها؟
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
10 اكتوبر 2026
ليست معركة باب المندب خبرًا عسكريًا عابرًا، ولا استعادة موقع على الساحل فحسب؛ إنها امتحان لإرادة القوى المناهضة للحوثيين، واختبار لما إذا كانت هذه القوى قادرة على تحويل التقدم الميداني إلى مشروع واضح يحمي الأرض ويمنع تكرار الانكسارات.
وقد أُعلن عن تطهير باب المندب من الحوثيين، فيما تستمر العمليات لتثبيت السيطرة وتمشيط المنطقة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق كل إعلان عن تقدم هو: ماذا بعد؟ من يثبت الأمن؟ من يدير الأرض؟ وهل تتوحد الجبهات فعلًا حول هدف معلن، أم تبقى الانتصارات الميدانية محكومة بحسابات متفرقة؟
في 8 سبتمبر 2026م، كتبتُ في مقال «الشعرة التي قصمت الحوثي» أن الخطر لا يُقاس بالصواريخ وحدها، وأن السؤال الأهم هو: هل يؤدي التصعيد إلى توحيد الجبهات ونقل المعركة من إدارة التهديد إلى إنهاء أسبابه؟ واليوم، ونحن نرى القوات الجنوبية تتقدم في الساحل، يعود ذلك السؤال أكثر إلحاحًا: هل ستكون هذه اللحظة بداية عمل عسكري موحد، أم مجرد جبهة تتحرك فيما تبقى جبهات أخرى دون المستوى الذي تنتظره منها الناس؟
وقبل ذلك، في 7 سبتمبر 2026م، كتبتُ في «اليمن لا يحتاج هدنة بين حربين» أن الهدنة التي لا تعالج أصل الصراع قد تمنح الأطراف وقتًا لإعادة التموضع، بينما يبقى احتكار السلاح خارج الدولة قائمًا. ومن هذا المنطلق، فإن التقدم في الساحل لا يكفي وحده؛ فلا بد أن يقترن بخطة سياسية وعسكرية تجيب عن السؤال الأصعب: ما شكل الدولة التي ستقوم بعد تحرير الأرض، ومن يضمن ألا تتحول التضحيات إلى جولة جديدة من المساومات؟
ثم جاء مقال «السعودية تستعد لهجوم واسع لاستعادة باب المندب»، المنشور في 2 أكتوبر 2026م، ليضع المضيق في موضعه الاستراتيجي: ممر بحري لا تنحصر أهميته في أطراف الصراع، بل تمس أمن المنطقة والملاحة الدولية. واليوم، مع الإعلان عن تطهيره واستمرار عمليات تثبيت السيطرة، تتضح حقيقة أن حماية الممرات لا تتحقق بالتصريحات وحدها؛ بل بقوة ميدانية متماسكة، وقيادة مسؤولة، ورؤية لما بعد المعركة.
ومن هنا تأتي المقارنة بين ما نشهده في الساحل وما ينتظره الناس في مأرب والجوف. ليست المسألة انتقاصًا من تضحيات المقاتلين هناك، ولا حكمًا على أبناء منطقة أو جماعة كاملة. المساءلة موجهة إلى القيادات والقرار العسكري: لماذا لا نرى في تلك الجبهات تحركًا يوازي ثقلها؟ ولماذا يبدو التقدم في الساحل أوضح، فيما لا تزال مأرب والجوف بحاجة إلى ما هو أبعد من الحشود والوعود والضربات المتفرقة؟
قد يقال إن لكل جبهة ظروفها، وهذا صحيح. لكن اختلاف الظروف لا يلغي واجب تفسير التفاوت، ولا يعفي أصحاب القرار من مسؤولية تقديم خطة تشرح للناس كيف ستتحول الإمكانات إلى تقدم، وكيف ستضغط الجبهات بعضها على بعض. فالمعركة لا تُقاس بخطاب الحماسة، بل بوضوح الهدف، وتماسك القيادة، واستمرار الفعل على الأرض.
وهنا مربط الفرس: القوات الجنوبية التي تقاتل في الساحل تتحرك مدفوعة بقضية تراها قضيتها، وتقدم أبناءها في ميدان تعرفه. فإذا تقدمت هذه القوات لتحرير مناطق في الشمال، فمن حقها ومن حق الناس أن يسألوا: لمن ستُسلَّم الأرض بعد تحريرها؟ وما الضمانات بأن لا تعود إلى أيدي قيادات أخفقت في حماية جبهاتها، أو إلى حسابات أنتجت الانسحابات والانقسامات من قبل؟
هذا السؤال ليس خصومة مع أبناء الشمال، ولا تحميلًا للمقاتلين الشرفاء مسؤولية إخفاقات القيادات. إنه سؤال عن الثقة والمساءلة: لا يُطلب من قوة أن تبذل دماءها لتحرير أرض، ثم يُترك مستقبلها لمن لم يثبت قدرته على صونها. ومن يطلب من الجنوب أن يتقدم شمالًا، عليه أن يوضح منذ الآن طبيعة الشراكة، وترتيبات الأمن والإدارة، والضمانات التي تمنع تكرار ما حدث في جبهات سابقة.
وتبقى المفارقة التي تستحق التأمل: الجنوب أقل عددًا، لكنه حاضر في ميادين الساحل؛ بينما ينتظر الناس من جبهات الشمال والشرق، ذات الثقل البشري والعسكري، مشاركة أوسع وأثرًا أوضح. الكثرة وحدها لا تصنع النصر، كما أن قلة العدد لا تمنع التقدم؛ الذي يصنع الفارق هو وضوح القضية والقرار والقيادة.
إن تحرير باب المندب، ينبغي أن يكون بداية مرحلة جديدة: جبهات تتساند، وقيادات تُحاسَب على نتائجها، وترتيبات معلنة لما بعد التحرير. أما أن يقاتل طرف ويتقدم، ثم يُطلب منه أن يسلّم ثمرة تضحياته بلا ضمانات، فتلك ليست خطة لاستعادة الدولة؛ بل إعادة إنتاج لأسباب الهزيمة.
من يحرر الأرض؟ ومن يملك حق تقرير مصيرها بعد التحرير؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يسبق أي زحف جديد.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






