اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الحوثي أمام ساعة النهاية…من هرمز إلى باب المندب تتكشف خريطة المنطقة

الحوثي أمام ساعة النهاية…من هرمز إلى باب المندب تتكشف خريطة المنطقة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
5 اكتوبر 2026

ليست أخطر لحظات الجماعات المسلحة حين تخسر موقعاً، بل حين تفقد الظروف التي جعلت بقاءها مفيداً أو محتملاً. ومن هذه الزاوية أقرأ ما يجري اليوم: الحوثي قد يحتفظ بالصواريخ، وقد يتقدم في بعض الجبهات، لكنه يقترب من مواجهة سؤال وجودي؛ هل يستطيع الاستمرار بالمشروع نفسه بعدما جعل نفسه عقبة أمام أمن الجزيرة العربية وحركة الاقتصاد العالمي؟

في مقالي «أمريكا بدأت تفكيك إيران»، المؤرخ في 2 سبتمبر 2026، ثم في المقال المكمل «هل أمريكا جادة في فتح مضيق هرمز للعالم؟»، تناولت الصراع من زاوية تتجاوز تبادل الضربات إلى تفكيك أدوات النفوذ. وفي 2 أكتوبر 2026 عدت إلى هذه الفكرة في تناول الاستعداد السعودي لاستعادة باب المندب. واليوم تتصل الحلقات: إيران، والممرات البحرية، والحوثي، وأمن السعودية، ومستقبل حضرموت؛ ملفات تتداخل داخل معادلة إقليمية بدأت ملامحها تتضح.

لا يعني ذلك أن هناك خريطة سرية مكتملة نعرف حدودها، أو أن سقوط الحوثي أصبح موعداً محسوماً. معناه أن الصراع يتجه إلى تحديد من يملك القوة، ومن يتحكم بالممرات، ومن يستطيع فرض شروطه على الآخرين.

أحدث الوقائع أن الحكومة اليمنية أعلنت، في 4 أكتوبر، إطلاق حملة عسكرية لاستعادة المناطق الخاضعة للحوثيين. لكن التقرير نفسه يشير إلى استمرار مكاسبهم قرب تعز. هذه المفارقة ضرورية لفهم المرحلة: إعلان المعركة لا يثبت قرب النصر، كما أن التقدم الميداني لا يضمن سلامة الحساب الاستراتيجي. (reuters.com)

وقد تكون أكبر مكاسب الحوثي هي بداية أخطر أخطائه.

فالجماعة التي توسع نفوذها تستطيع أن تتوهم أن كل أرض جديدة تمنحها قوة إضافية. لكن الوصول إلى موضع شديد الحساسية قد ينقلها من خصم محلي يمكن احتواؤه إلى تهديد تتقاطع مصالح دول عديدة على تقليصه. هنا يتحول التوسع من رصيد إلى عبء، ومن ورقة تفاوض إلى سبب لاستدعاء مواجهة أكبر.

في الثاني من أكتوبر، نقلت رويترز عن مصادر مطلعة استعدادات لعملية تدعمها السعودية، مع بحث خيار ساحلي محدود أو هجوم على جبهات متعددة. وأشارت إلى دعم استخباري أمريكي، وإلى أن نطاق العملية وتوقيتها لم يكونا محسومين. (reuters.com)

قراءتي لهذه المعطيات أن باب المندب أصبح نقطة التقاء بين الأمن السعودي والمصلحة الدولية. وحين تتقاطع هذه المصالح، تتغير قابلية التسامح مع سلاح الجماعة، حتى لو استمرت الخلافات حول طريقة مواجهتها.

السعودية تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه امتداداً لأمنها الاقتصادي والوطني. فالموانئ والاستثمار والطاقة والتنمية تحتاج إلى بيئة تستطيع الدولة فيها التخطيط، وتستطيع الشركات فيها حساب المخاطر. وجود جماعة تملك قرار التصعيد على مقربة من هذه المصالح يفرض كلفة دائمة، حتى في الأيام التي تصمت فيها المدافع.

لهذا فإن المعضلة أعمق من إيقاف هجوم أو استعادة ساحل. إنها تتعلق بإنهاء قدرة طرف مسلح على تحويل الجغرافيا إلى أداة ابتزاز متكرر.

وهنا تلتقي قراءتي لهرمز بقراءتي لباب المندب. فحين يصبح تعطيل الممرات وسيلة نفوذ، لا يكفي إسكات منصة إطلاق مؤقتاً؛ لا بد من معالجة المنظومة التي تنتج التهديد وتموله وتحميه. وهذه هي الصلة التحليلية بين الضغط على إيران والضغط على الحوثي، دون افتراض أن ضعف طهران سيؤدي تلقائياً إلى انهيار الجماعة.

للحوثي مصالحه المحلية ومؤسساته وشبكات قوته. وقد يحاول تعويض تراجع المساندة الخارجية بمزيد من السيطرة والجباية والقمع. ولذلك فإن قطع الإمداد، إذا تحقق، يضيّق خياراته، لكنه لا يغني عن بناء بديل سياسي وأمني واقتصادي في الداخل.

نهاية الحوثي التي أعنيها هي نهاية حقه في احتكار الدولة والحرب.

لا يمكن بناء سلام مستقر إذا احتفظت الجماعة بسلاح استراتيجي مستقل، ثم حصلت على شرعية سياسية تتيح لها تعطيل الدولة من داخلها. عندئذ تتحول التسوية إلى استراحة لإعادة التسلح، وتصبح المؤسسات غطاءً لقوة لا تخضع لها.

المعيار الحقيقي لأي نهاية هو خضوع السلاح لسلطة عامة، وانتهاء الجباية المسلحة، وتفكيك القدرة على تهديد الجوار والملاحة، وفتح المجال أمام الناس ليختاروا حياتهم السياسية دون إكراه. ويمكن أن تبقى تيارات وأفكار وأفراد؛ الذي يجب أن ينتهي هو امتياز فرض الإرادة بالقوة.

لكن هذا الهدف يصطدم بعائق حذرت منه في موقفي بتاريخ 10 سبتمبر 2026: اقتصاد الحرب. فهناك من بنى مكانته ودخله ونفوذه على استمرار الأزمة. ولا يجوز اختزال هذه المشكلة في انتماء مذهبي؛ الحاسم هو شبكة المصالح التي تجعل السلام خسارة لبعض المستفيدين من الحرب.

الحوثي يستفيد من سلطته المسلحة، وبعض خصومه يستفيدون من بقاء خطره. وبينهما يدفع المواطن الثمن. لذلك فإن إضعاف الجماعة يحتاج أيضاً إلى إصلاح المعسكر المقابل: قيادة مسؤولة، ورواتب منتظمة، ومؤسسات قابلة للمحاسبة، وقوات تعرف ما الذي تقاتل من أجله، وما الذي سيأتي بعد المعركة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو انتصار عسكري يسلّم الأرض إلى فساد جديد. فالناس الذين فقدوا الأمن والرزق لن يقيسوا التحرير بعدد البيانات، بل بما إذا أصبحوا أكثر أمناً، وأقل تعرضاً للنهب، وأقدر على تعليم أبنائهم وإطعامهم.

ومن هنا تأتي حضرموت في قلب السؤال القادم. لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها احتياطياً مالياً أو مساحة تُوزع داخل تسوية تصنعها القوى المسلحة. لها مجتمعها ومصالحها وخصوصيتها، ويجب أن يكون أهلها أصحاب القرار في مستقبلهم.

وأرى أن علاقتها الاستراتيجية بالسعودية تستحق أن تُبحث بجدية ضمن الخيارات التي يختارها الحضارم، على أساس الأمن والتنمية والإرادة الحرة. أما إعادة إنتاج المركزية التي استنزفت حضرموت، تحت اسم جديد أو تحالف جديد، فلن تؤسس استقراراً؛ ستؤجل الأزمة.

خريطة المنطقة التي تتضح اليوم قد تبدأ بتغيير وظائف القوة قبل تغيير الحدود: من يحمي البحر؟ من يضبط السلاح؟ من يملك قرار الحرب؟ ومن يضمن أن تتحول الموارد إلى حياة أفضل؟ هذه الأسئلة ستحدد قيمة أي ترتيب سياسي قادم.

ولقرب نهاية المشروع الحوثي علامات يمكن اختبارها: خسارة القدرة على تهديد الممرات، وتراجع الإمداد والتمويل، وتصدع منظومة السيطرة الداخلية، وظهور بديل يحظى بثقة السكان. إذا اجتمعت هذه العلامات، انتقل الحديث عن النهاية من التوقع إلى المسار الفعلي. وإذا غابت، فقد تطول الحرب مهما ارتفعت نبرة الإعلان.

أرى أن الحوثي يقترب من لحظة تصبح فيها كلفة بقائه بشكله الحالي أكبر من قدرة الأطراف على احتماله. لكن تحويل هذه اللحظة إلى نهاية يتطلب أكثر من القوة؛ يتطلب تصوراً عادلاً لما بعدها.

لقد راهن الحوثي على أن يجعل البحر رهينة ليضمن بقاءه. وقد يكون البحر هو الباب الذي تدخل منه نهاية مشروعه.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق