حين تتغير قواعد القيادة في حضرموت: سلطان التميمي من القبيلة إلى صناعة التوافق
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : عدنان بن عفيف
4 اكتوبر 2026
في حضرموت، لا تتغير قواعد القيادة بسهولة. فالمجتمع الذي يمتلك إرثًا قبليًا واجتماعيًا ضاربًا في التاريخ لا يمنح ثقته للمواقع والألقاب وحدها، ولا يعيد تعريف أدوار قياداته لمجرد أن الظروف تغيرت. لكن المجتمعات الحية تعرف، في اللحظات الفاصلة، كيف تحافظ على ثوابتها وهي تعيد اكتشاف أدواتها. وحضرموت اليوم تعيش واحدة من هذه اللحظات. فمع تسارع التطورات السياسية والأمنية والاجتماعية، وتزايد الحاجة إلى موقف حضرمي أكثر تماسكًا، لم يعد السؤال متعلقًا بمن يملك الحضور الاجتماعي فقط، بل بمن يستطيع أن يحول هذا الحضور إلى تواصل، والتواصل إلى تفاهم، والتفاهم إلى موقف، والموقف إلى عمل مؤسسي. وفي هذا السياق تبرز تجربة الشيخ سلطان بن زايد التميمي بوصفها تجربة تستحق القراءة، لا باعتبارها مسارًا شخصيًا منفصلًا عن المشهد، وإنما باعتبارها نموذجًا لنمط قيادي يحاول التحرك بين أكثر من مساحة في آن واحد: القبيلة والمجتمع، الدولة والمؤسسة الأمنية، والعمل السياسي والتنسيقي. وهذه المساحات الثلاث هي تحديدًا ما يجعل قراءة تجربته أكثر اتساعًا من مجرد الحديث عن شاب تولى موقعًا قبليًا. من مصلحة القبائل إلى إعادة تعريف الدور، منذ توليه إدارة مصلحة شؤون القبائل بوادي وصحراء حضرموت، اتجه التميمي إلى التعامل مع المصلحة باعتبارها مساحة عمل مجتمعي مفتوحة، لا مجرد جهاز إداري. فالحضور المتواصل مع المشايخ والوجهاء والشخصيات الاجتماعية، والاهتمام بملفات الصلح وتقريب وجهات النظر، أعاد وضع المصلحة في قلب شبكة العلاقات الاجتماعية التي تحتاج إليها حضرموت للحفاظ على تماسكها واستقرارها. وتؤكد أنشطة المصلحة خلال الأشهر الماضية هذا الاتجاه، بما في ذلك التواصل مع المرجعيات القبلية والشخصيات الاجتماعية، والربط بين الجهود القبلية والأمنية في معالجة قضايا الاستقرار والسلم الأهلي. كما أشادت السلطة المحلية بدور المصلحة في حل النزاعات وإصلاح ذات البين وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. وهنا تكمن نقطة مهمة: الدور القبلي في حضرموت لم يعد قادرًا على البقاء محصورًا في إدارة العلاقات التقليدية، لأن طبيعة الملفات الراهنة جعلت القبيلة شريكًا اجتماعيًا في حماية السلم الأهلي، ومساندة مؤسسات الدولة، وتخفيف الاحتقانات قبل أن تتحول إلى أزمات.
خبرة أمنية تضيف إلى الدور الاجتماعي
وتكتسب تجربة التميمي بعدًا آخر من خلال صفته مستشارًا لوزير الداخلية، وهي خبرة تضيف إلى مساره معرفة بالعمل المؤسسي والأمني وطبيعة العلاقة بين أجهزة الدولة والمجتمع. وقد ظهر هذا الوصف في تغطيات صحفية حديثة تناولت رؤيته للعلاقة بين القبيلة ومؤسسات الدولة ودورها في حفظ الأمن المجتمعي. وتزداد أهمية هذه الخبرة في حضرموت تحديدًا؛ لأن الأمن فيها لا يمكن فصله عن البنية الاجتماعية. فالقبيلة ليست مؤسسة أمنية، ولا ينبغي أن تكون بديلًا عن الدولة، لكنها في المقابل مكوّن اجتماعي مؤثر يمكن أن يكون شريكًا في تثبيت السلم الأهلي عندما تكون العلاقة بينها وبين المؤسسات الرسمية قائمة على التنسيق والاحترام المتبادل. وهذا المعنى ظهر عمليًا في اللقاءات التي جمعت التميمي بمسؤولي وزارة الداخلية والقيادات الأمنية، ومنها اللقاء الذي بحث تعزيز التنسيق والتكامل بين مصلحة شؤون القبائل والأجهزة الأمنية، والتأكيد على دور القبيلة في مساندة جهود الدولة في حفظ الأمن والاستقرار. وفي سبتمبر الماضي، شارك التميمي في لقاء جمع السلطة المحلية والمرجعية القبلية والقيادة الأمنية في سيئون لمناقشة مستجدات الأوضاع الأمنية وتعزيز السكينة العامة في وادي وصحراء حضرموت. وهنا يصبح الدور أكثر وضوحًا: القبيلة والمجتمع والدولة ليست مسارات متنافسة بالضرورة، وإنما يمكن أن تكون مساحات متكاملة إذا وجدت إدارة قادرة على التنسيق بينها.
من مصلحة القبائل إلى المجلس التنسيقي الأعلى
لكن التحول الأبرز في قراءة تجربة سلطان التميمي ربما يظهر في انتقال حضوره من المجال القبلي والاجتماعي إلى مساحة العمل الحضرمي الأوسع. فقد كان التميمي ضمن الأسماء التي ضمتها اللجنة التحضيرية لتأسيس المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية، في إطار المسار الذي بدأ بهدف جمع القوى والمكونات المختلفة ضمن إطار جامع، وتوحيد الرؤى والمواقف تجاه قضايا حضرموت. ولم يكن حضوره في هذا المسار حضورًا اسميًا فقط؛ فقد تحدث بوضوح عن أهمية المجلس باعتباره خطوة في اتجاه توحيد الصف الحضرمي، وتعزيز الشراكة بين مختلف القوى والمكونات، داعيًا إلى استيعاب الملاحظات بروح التوافق والمسؤولية وتعزيز الثقة بين الأطراف. وفي حديث آخر عن المجلس، أكد التميمي أن الفكرة تقوم على الانفتاح وعدم الإقصاء، وأن المجلس ليس بديلًا عن المكونات القائمة ولا يسعى إلى منافستها، وإنما يمثل مساحة للتوافق والعمل المشترك. وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف. ففي مشهد حضرمي متعدد المكونات والمرجعيات، قد لا تكون المشكلة في غياب الأصوات، بل في كثرتها من دون وجود آليات كافية لتنسيقها. ومن ثم فإن القيمة الحقيقية لأي إطار تنسيقي لا تكمن في إضافة مكوّن جديد إلى قائمة المكونات، وإنما في قدرته على تقريب الموجود أصلًا، وإدارة الاختلاف، وصناعة مساحة مشتركة تستطيع حضرموت من خلالها التعبير عن مصالحها بصورة أكثر تنظيمًا، من التحضير إلى التأسيس، حيث لم يبقَ هذا المسار في حدود اللجنة التحضيرية. ففي 31 أغسطس 2026 انعقد المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، وأعلن انطلاق المجلس إلى مرحلة جديدة من العمل المؤسسي، مستندًا إلى وحدة الصف ووضوح الرؤية والشراكة، واضعًا مصلحة حضرموت في صدارة أولوياته. وكان التميمي جزءًا من المسار الذي سبق هذا التأسيس، وهو ما يمنح حضوره في المجلس دلالة تتجاوز مجرد العضوية؛ إذ يضع تجربته القبلية والاجتماعية داخل مشروع يسعى إلى الانتقال بحضرموت من تعدد المواقف إلى قدر أكبر من التنسيق والعمل المؤسسي. وهذا انتقال مهم. فالرجل الذي يعمل في مساحة القبيلة والمرجعيات الاجتماعية يجد نفسه أيضًا داخل إطار يضم شخصيات سياسية ومجتمعية متعددة، ما يفرض نوعًا مختلفًا من أدوات التواصل وإدارة التباين. وفي سبتمبر، أعلن المجلس التوصل إلى صيغة توافقية نهائية لتشكيل هيئة رئاسته، في خطوة عكست استمرار مسار التشاور والتوافق الذي رافق تأسيسه. وبذلك أصبحت الفكرة أمام اختبارها الحقيقي: هل يستطيع التوافق الذي تأسس عليه المجلس أن يتحول إلى أداء مؤسسي ومواقف عملية؟ وهنا تحديدًا تظهر أهمية الشخصيات التي تمتلك خبرة في أكثر من مساحة. حين تتقاطع الخبرات ربما لا تكمن خصوصية تجربة سلطان التميمي في أي موقع منفرد بقدر ما تكمن في التقاطع بين المواقع والخبرات. ففي مصلحة شؤون القبائل، يتحرك في المجال الاجتماعي والقبلي. وفي خبرته مستشارًا لوزير الداخلية، يملك خلفية متصلة بالعمل المؤسسي والأمني. وفي المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، انتقل إلى مساحة أوسع تتصل بتنسيق القوى والمكونات وصياغة رؤية حضرمية مشتركة. وهذه المساحات الثلاث تتقاطع بصورة مباشرة مع احتياجات حضرموت الراهنة. فالمنطقة تحتاج إلى مجتمع متماسك، وإلى مؤسسات دولة فاعلة، وإلى قوى ومكونات قادرة على الوصول إلى حد أدنى من التفاهم حول القضايا المشتركة. ولا يمكن لأي مسار من هذه المسارات أن يعمل منفردًا بكفاءة كاملة. فالاستقرار الأمني يحتاج إلى بيئة اجتماعية مساندة، والتماسك الاجتماعي يحتاج إلى مؤسسات دولة حاضرة، والحضور السياسي يحتاج إلى قدر من التوافق الداخلي يمنحه قوة التمثيل والتأثير.
القيادة الشابة.. اختبار لا امتياز
من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في تجربة التميمي أنها تقدم نموذجًا لقيادة شابة في مساحة اعتادت أن ترتبط بصورة أكثر تقليدية للقيادة. لكن الشباب هنا ليس امتيازًا بذاته، كما أن التقدم في العمر ليس نقصًا. المعيار الأهم هو القدرة على التعامل مع تعقيدات المرحلة. فالقيادة الحديثة تحتاج إلى الإنصات بقدر حاجتها إلى القرار، وإلى بناء العلاقات بقدر حاجتها إلى إدارة الملفات، وإلى احترام أصحاب الخبرة بقدر حاجتها إلى استيعاب أدوات العصر. ولهذا فإن نجاح أي تجربة شابة في مجتمع تقليدي لا يكون بإزاحة القديم، وإنما بإيجاد صيغة تواصل بين خبرة الماضي وحيوية الحاضر. وهذا هو الاختبار الحقيقي أمام تجربة التميمي.
حضرموت تحتاج إلى جسور لا إلى جزر
ما يحدث في حضرموت خلال هذه المرحلة يؤكد أن المنطقة أمام حاجة متزايدة إلى بناء الجسور بين مكوناتها. فالسلطة المحلية، والمرجعيات القبلية، والمؤسسة الأمنية، والمكونات السياسية والاجتماعية، ليست جزرًا منفصلة. وكلما اقتربت هذه الأطراف من بعضها في الملفات التي تمس الأمن والاستقرار والمصلحة العامة، أصبحت فرص الوصول إلى تفاهمات أكثر نضجًا أكبر. واللقاءات الأخيرة في سيئون بين السلطة المحلية والقيادات الأمنية والمرجعيات القبلية، إلى جانب اللقاءات المستمرة بين مصلحة شؤون القبائل ومرجعية قبائل حضرموت، تعكس هذا الاتجاه نحو تنسيق الأدوار وتكاملها. وفي هذه المساحة تحديدًا يمكن قراءة تجربة سلطان التميمي. ليس باعتباره صاحب دور منفرد، ولا باعتبار تجربته مكتملة، وإنما باعتباره واحدًا من الوجوه التي تتحرك في أكثر من دائرة، وتحاول أن تجعل من التواصل وسيلة لبناء التفاهم بدلًا من أن يكون مجرد نشاط بروتوكولي.
الاختبار المقبل
ومع ذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية من مرحلة التأسيس. فاللقاءات وحدها لا تكفي، والتكريم لا يكفي، وتعدد المواقع لا يكفي. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح الملفات أكثر تعقيدًا، وعندما تتباين المصالح، وعندما يحتاج المجتمع إلى موقف موحد من دون أن يفقد تعدده، وعندما يصبح المطلوب تحويل التفاهمات إلى مؤسسات وآليات ونتائج قابلة للقياس. وهنا ستتحدد قيمة أي قيادة جديدة. فإذا استطاعت أن تحافظ على صلتها بالمجتمع، وأن تعمل باحترام داخل مؤسسات الدولة، وأن تتعامل مع المكونات المختلفة بروح الشراكة، وأن تحول خبرتها المتعددة إلى جسور بين هذه المساحات، فإنها تكون قد قدمت إضافة حقيقية إلى المشهد. أما إذا تحولت المواقع إلى مجرد عناوين، فإنها تفقد قيمتها مهما تعددت.
ليست قصة شخص فقط
لهذا، فإن الحديث عن سلطان التميمي لا ينبغي أن يتوقف عند شخصه. فالتجربة الأهم التي يمكن استخلاصها من مساره هي أن حضرموت نفسها تعيد اختبار مفهوم القيادة. قيادة تحترم القبيلة دون أن تجعلها بديلًا عن الدولة. وتحترم الدولة دون أن تعزلها عن مجتمعها. وتنفتح على السياسة دون أن تجعل الخلاف السياسي سببًا لتفكك النسيج الاجتماعي. وتستفيد من القيادات الشابة دون أن تقطع صلتها بخبرة الكبار. إنها معادلة دقيقة، لكنها ربما تكون من أكثر المعادلات التي تحتاجها حضرموت اليوم. فالمجتمع الحضرمي لا يحتاج إلى إلغاء تعدده، بل إلى إدارة هذا التعدد. ولا يحتاج إلى صوت واحد بالضرورة، بل إلى قدرة على الوصول إلى موقف مشترك عندما تكون المصلحة العامة هي محل الاتفاق. ومن هنا يمكن فهم المسار الذي يجمع بين مصلحة شؤون القبائل، والخبرة المؤسسية والأمنية، والمشاركة في المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى. إنه مسار يختبر إمكانية الانتقال من القيادة التي تمثل مساحة اجتماعية محددة إلى القيادة التي تستطيع أن تبني جسورًا بين مساحات متعددة. وربما يكون هذا هو التغيير الأهم في قواعد المشهد. فحضرموت لا تبحث فقط عن وجوه جديدة، وإنما عن أدوات جديدة لإدارة اختلافاتها، وصناعة توافقاتها، وحماية مصالحها. وفي النهاية، ليست القضية سلطان التميمي وحده، وإنما ما إذا كانت حضرموت قادرة على إنتاج نموذج قيادي يجمع بين أصالة المجتمع ومتطلبات الدولة، وبين خبرة الماضي وأدوات الحاضر، وبين تعدد المكونات ووحدة المصلحة. ذلك هو الاختبار الحقيقي. وذلك أيضًا هو الطريق الذي قد يجعل الكفاءة، لا مجرد المكانة، واحدة من أهم قواعد القيادة الجديدة في حضرموت
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






