كواليس العلاقة الخليجية: نحو ترتيب جديد للأدوار في اليمن
الخميس 1 أكتوبر 2026م
بقلم/ عوض باشعيوث
يبدو أن العلاقة السعودية الإماراتية تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأدوار في اليمن، بعد أن أثبتت تطورات الأشهر الماضية أن استمرار التباين بين العاصمتين الخليجيتين ينعكس مباشرة على تماسك المعسكر المناهض للحوثيين، وعلى قدرة هذا المعسكر على مواجهة التصعيد العسكري المتجدد.
المسألة، وفق هذه القراءة، ليست عودة إماراتية مباشرة إلى العمليات العسكرية، بقدر ما هي عودة إلى إدارة النفوذ والأدوات السياسية والعسكرية من موقع مختلف. فالإمارات تملك علاقات واسعة مع قوى وفصائل جنوبية، بينما تمتلك السعودية ثقل القرار السياسي والعسكري داخل المعسكر المناهض للحوثيين. والتحدي أمام الطرفين هو تحويل هذا النفوذ المتعدد إلى وظيفة مشتركة، بدلاً من بقائه مصدراً للتنافس والانقسام.
وتبدو الرياض، في هذا السياق، بحاجة إلى الدور الإماراتي في ضبط وإدارة الفصائل الجنوبية، ولكن ضمن سقف لا يقوض الجبهة المناهضة للحوثيين، ولا يسمح بتحويل الجنوب إلى جبهة سياسية وعسكرية مستقلة عن مركز القرار اليمني. وهذا يعني إعادة ترتيب الأوراق السياسية والعسكرية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بحيث تستعيد القوات المدعومة إماراتياً دورها في المواجهة، لكن ضمن قيادة يمنية موحدة وإشراف سعودي واضح.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: عودة الشراكة الإماراتية لا تعني عودة الوصاية على الجنوب.
فالرياض، بعد التطورات العسكرية والسياسية التي شهدها الجنوب، يصعب أن تقبل بتكرار تجربة تفرض فيها قوة جنوبية منفردة أمراً واقعاً سياسياً أو جغرافياً، ثم يصبح على الجميع التعامل معه باعتباره حقيقة نهائية. وفي الوقت نفسه، فإن استبعاد الإمارات تماماً من المعادلة الجنوبية والعسكرية ليس خياراً سهلاً، بالنظر إلى ما راكمته من نفوذ وعلاقات وقدرات داخل الساحة اليمنية.
لذلك قد يكون المخرج في تبادل الأدوار لا تقاسم اليمن: للإمارات دور اقتصادي واستثماري في الموانئ عبر اتفاقيات رسمية مع الدولة اليمنية، ولها دور في دعم القوات التي شاركت في مواجهة الحوثيين، لكن من دون ضمانات سياسية مسبقة لانفصال الجنوب أو السيطرة المنفردة على الموانئ أو باب المندب.
وفي المقابل، يحتاج الجنوبيون إلى حضور سياسي وعسكري معتبر داخل أي صيغة جديدة، لأن تجاوز القضية الجنوبية أو اختزالها في ترتيبات أمنية مؤقتة لن يؤدي إلى استقرار دائم. المطلوب هو تمثيل جنوبي حقيقي في مؤسسات القرار، وضمان مصالح الجنوب، وتأمين حصة سياسية وعسكرية متوازنة، على أن يترك الحسم النهائي للقضية الجنوبية إلى التسوية السياسية الشاملة في اليمن.
أما اقتصادياً، فلا يبدو أن المطلوب هو إغلاق الباب أمام الإمارات في الموانئ والاستثمارات، وإنما نقل العلاقة من النفوذ غير الرسمي إلى الشراكة الرسمية. فالميناء الذي تديره دولة أو شركة بموجب اتفاق معلن يظل جزءاً من الدولة، بينما يتحول الميناء الواقع تحت نفوذ قوة سياسية أو عسكرية إلى ورقة صراع.
والثمن المقابل لهذه الشراكة واضح: إنهاء أي قيادة موازية للدولة، ووقف تعطيل الجبهات، وعدم استخدام القوى الجنوبية كأداة لفرض مشروع انفصالي بالقوة. فالمعركة مع الحوثيين لا تحتمل جبهات متعددة داخل الجبهة الواحدة، كما أن أي تسوية خليجية لا تستطيع أن تكون مستقرة إذا أبقت اليمن أمام سلطات عسكرية وسياسية متنافسة.
ومن هنا فإن الترتيب الخليجي المحتمل لا ينبغي أن يقوم على إعادة إنتاج الماضي، بل على معادلة جديدة: الإمارات شريك في مواجهة الحوثيين، والسعودية ضامن للتوازن السياسي والعسكري، والقوى الجنوبية شريك أصيل في القرار، والدولة اليمنية هي الإطار الناظم، والقضية الجنوبية ملف سياسي يؤجل حسمه إلى التسوية النهائية لا إلى ميدان القوة.
إن جوهر أي تفاهم سعودي إماراتي جديد في اليمن يجب أن يكون إذاً: توحيد البندقية ضد الحوثيين، وتعدد الأصوات داخل السياسة، ورفض الانفراد بالجنوب، وفتح المجال للشراكة الاقتصادية، وتأجيل شكل الدولة النهائي إلى طاولة التسوية اليمنية الشاملة.
فاليمن لا يحتاج إلى وصيّين خليجيين يتنازعان إدارة أزمته، بل إلى تفاهم خليجي يمنع تحويل خلافاتهما إلى وقود لحرب يمنية جديدة.






