حين تتكلم الأرض بلغة الذاكرة: حضرموت والجنوب
خاص وحصري لصحيفة «تاربة اليوم الاخبارية»
بقلم – صدام عبيد يسر الزبيدي
كاتب وباحث سياسي
هناك أماكن لا تُعرّفها الخرائط وحدها.
أماكن تشبه الذاكرة؛ كلما حاول الزمن أن يغيّر ملامحها، أعاد التاريخ رسمها من جديد. وحضرموت واحدة من هذه الأماكن التي لا يمكن اختصارها في حدود جغرافية، لأنها تحمل في أعماقها تاريخًا أطول من كثير من التحولات السياسية التي مرت على المنطقة.
حين تتكلم الأرض بلغة الذاكرة، لا تعود الجغرافيا مجرد جبال ووديان وسواحل ومدن. تصبح شاهدًا على الإنسان، وعلى ما عاشه، وما فقده، وما حلم به.
ومن هنا، فإن الحديث عن حضرموت والجنوب ليس حديثًا عن الماضي وحده، بل عن سؤال المستقبل أيضًا.
ماذا يعني أن ينتمي الإنسان إلى أرض تحمل كل هذا التاريخ؟
وماذا يعني أن تكون الهوية ذاكرة حية لا يمكن اختزالها في قرار سياسي عابر؟
ربما تكمن الإجابة في حقيقة بسيطة: الأرض تتذكر.
تتذكر المدن وجوه أبنائها، والطرقات خطواتهم، والبيوت أصواتهم، والموانئ رحلاتهم، والجبال قصصهم، والقبور أسماء من رحلوا وهم يحملون أحلامهم.
وحضرموت، بهذا المعنى، ليست مجرد جزء من الجغرافيا الجنوبية؛ إنها ذاكرة عميقة في الوجدان، وتجربة تاريخية صنعت خصوصيتها، وفي الوقت نفسه تركت أثرًا في محيطها الجنوبي والعربي والإقليمي.
لكن الذاكرة لا تعني الانغلاق.
فالإنسان الذي يعرف جذوره لا يخاف من المستقبل.
والشعوب التي تفهم تاريخها جيدًا تستطيع أن تتقدم دون أن تفقد نفسها.
ولهذا فإن حضرموت لا تحتاج إلى الاختيار بين هويتها الحضرمية وامتدادها الجنوبي؛ فالهوية الإنسانية والسياسية ليست صندوقًا مغلقًا، ويمكن للإنسان أن يحمل أكثر من دائرة انتماء دون أن يلغي بعضها بعضًا.
حضرموت حضرموت، والجنوب جنوب.
وبين الاثنين مساحة واسعة من التاريخ والجغرافيا والتجربة الإنسانية.
المشكلة تبدأ عندما تحاول السياسة تحويل الاختلاف الطبيعي إلى صراع دائم.
فالخصوصية ليست انفصالًا بالضرورة، كما أن الشراكة ليست ذوبانًا.
يمكن أن تكون حضرموت ذات خصوصية واضحة داخل مشروع جنوبي أوسع، ويمكن للجنوب أن يكون إطارًا سياسيًا يحتضن تعدد مناطقه بدل أن يحاول صهرها في هوية واحدة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: أي جنوب نريد؟
جنوبًا يعيد إنتاج المركزية التي عانى منها الناس؟
أم جنوبًا جديدًا يقوم على الشراكة والعدالة واحترام الخصوصيات؟
جنوبًا تُدار فيه الثروة بعيدًا عن الإنسان؟
أم جنوبًا تصبح فيه موارد الأرض وسيلة لتحسين حياة أبنائها؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا.
إنها جوهر المستقبل.
فالثروات لا تصنع دولة وحدها، والموانئ لا تصنع دولة، والجغرافيا الاستراتيجية لا تصنع دولة.
الدولة يصنعها الإنسان والمؤسسة والقانون.
وإذا كان الجنوب قد دفع أثمانًا باهظة خلال عقود طويلة، فإن القيمة الحقيقية لكل تلك التضحيات يجب أن تظهر في شكل دولة أكثر عدلًا، لا في شكل صراع جديد على السلطة.
وحضرموت تحديدًا أمام اختبار تاريخي.
ليس لأنها تحتاج إلى أن تثبت مكانتها، فالتاريخ فعل ذلك منذ زمن بعيد، وإنما لأنها مطالبة اليوم بتحويل هذه المكانة إلى مشروع سياسي وتنموي يضمن لأبنائها حقهم في إدارة شؤونهم والمشاركة في صناعة القرار والاستفادة العادلة من مواردهم.
لكن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مع الجنوب.
فالجنوب ليس خصمًا لحضرموت.
والحضارم ليسوا غرباء عن الجنوب.
إنها علاقة تحتاج إلى أن تُبنى على الاعتراف المتبادل، لا على التخوين، وعلى الشراكة، لا على الإقصاء.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من التاريخ هو أن الجغرافيا لا تتحدث بصوت واحد.
فكل مدينة لها ذاكرتها، وكل منطقة لها تجربتها، وكل مجتمع له خصوصيته.
لكن هذه الأصوات المختلفة يمكن أن تصنع لحنًا واحدًا إذا وجدت نظامًا سياسيًا يعرف كيف يستمع إليها.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يكون المستقبل مختلفًا عن الماضي.
نحن لا نحتاج إلى وطن يخاف من تنوعه.
نحتاج إلى وطن يرى في التنوع قوة.
ولا نحتاج إلى دولة تفرض الصمت على الذاكرة.
نحتاج إلى دولة تسمح لكل ذاكرة بأن تُروى بصدق.
فمن دون ذاكرة لا توجد هوية.
ومن دون هوية لا يوجد شعور حقيقي بالانتماء.
ومن دون انتماء لا يمكن بناء دولة مستقرة.
لكن الذاكرة وحدها لا تكفي.
فالذي يعيش في الماضي قد يخسر المستقبل.
ولهذا فإن مسؤولية الجيل الجنوبي الجديد ليست فقط أن يتذكر، وإنما أن يبني.
أن يأخذ من التاريخ ما يمنحه القوة، ويترك منه ما يعيد إنتاج الصراع.
أن يحول الحكاية إلى مؤسسة.
والتضحية إلى قانون.
والثروة إلى تنمية.
والهوية إلى دولة.
وحضرموت يمكن أن تكون نموذجًا لذلك.
فالأرض التي صنعت تاريخًا طويلًا من التواصل مع العالم تستطيع أن تكون جزءًا من مستقبل جنوبي أكثر انفتاحًا.
والجنوب الذي عرف الحروب يستطيع أن يكون أكثر قدرة على فهم قيمة السلام.
والمجتمع الذي عانى من التهميش يستطيع أن يعرف معنى العدالة.
في النهاية، لا تسأل الأرض الإنسان عن الشعارات التي رفعها.
تسأله ماذا فعل من أجلها.
ولا يسأل التاريخ الشعوب عن عدد المرات التي تحدثت فيها عن الوطن.
يسألها ماذا تركت للأجيال القادمة.
لهذا، حين تتكلم الأرض بلغة الذاكرة، علينا أن نصغي.
وحين تتحدث حضرموت، علينا ألا نسمع صوت الماضي فقط، بل صوت المستقبل أيضًا.
صوت وطن لا يريد أن يعيش أسيرًا للخرائط القديمة، ولا أن يكرر أخطاء الصراعات السابقة.
وطنًا يعرف أن الجنوب ليس مجرد اسم، وأن حضرموت ليست مجرد مساحة، وأن الإنسان هو المعنى الأول والأخير لكل وطن.
فربما يكون أعظم ما يمكن أن يفعله أبناء الجنوب اليوم هو أن يحولوا ذاكرتهم من جرح مفتوح إلى مشروع دولة.
وحينها فقط، لن تكون الأرض شاهدة على التاريخ فحسب.
ستكون شريكة في صناعته.
صدام عبيد يسر الزبيدي
كاتب وباحث سياسي






