النفير العام .. يبدأ من القيادة
بقلم / أ. علي عباس بن طالب
الأحد 27/ سبتمبر /2026م.
*▪️من المضحك المبكي أن يُطلب من المواطن أن يذهب إلى الجبهة، بينما يبقى السؤال معلّقًا: أين تكون القيادة عندما يُطلب من الشعب أن يدفع ثمن الحرب؟!*
*خرج رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في خطابه بمناسبة الذكرى الـ64 لثورة 26 سبتمبر، داعيًا أبناء الشعب اليمني إلى التعبئة العامة والنفير الوطني والالتحاق بصفوف القوات المسلحة والأمن لمواجهة واستعادة مؤسسات الدولة.*
*يا فخامة الرئيس .. إذا كان الوطن في معركة، فأين يجب أن يكون رأس الدولة؟*
*المواطن اليمني الذي تطلبون منه أن يترك بيته وأهله ورزقه، وأن يحمل السلاح ويذهب إلى الجبهات، يريد أن يرى قبل ذلك قيادةً تشاركه الخطر، وتعيش معه هموم الحرب، وتقترب من ساحات المواجهة، لا أن تبقى المسافة بين القيادة والمواطن كبيرة بينما المواطن هو من يدفع الثمن الأكبر.*
*نحن لا نقول إن وجود المسؤول خارج البلاد وحده دليل على التقصير؛ فلكل قيادة حساباتها الأمنية والسياسية. لكن حين يُطلب من المواطن أقصى درجات التضحية، يصبح من حقه أن يسأل عن مستوى التضحية التي تقدمها قيادته أيضًا.*
*ومن حق المواطن اليمني أن يسأل بكل صراحة: إذا كان الوطن في معركة مصيرية، فلماذا يُطلب من المواطن أن يقدم ابنه، ودمه، ورزقه، ومستقبله، بينما يرى القيادة والمسؤولين يعيشون بعيدًا عن ساحات المواجهة؟*
*نحن لا نعترض على مبدأ الدفاع عن الوطن، ولا نزايد على أحد في الوطنية، لكننا نقول: النفير ليس كلمة تُقال من خلف الميكروفونات .. النفير موقف ، والتعبئة ليست خطابًا .. التعبئة قد تكون دمًا وحياةً وفقدًا.*
*ومن يطلب من الناس التضحية، عليه أن يقدم لهم القدوة قبل أن يقدم لهم الأوامر.*
*انظروا إلى السودان .. عبد الفتاح البرهان ظهر خلال الحرب في مواقع ميدانية وبين قواته، وهو أمر وثقته تقارير وصور ميدانية متعددة. وهذه الصورة تحديدًا تترك أثرًا مختلفًا في وجدان الجندي والمواطن: أن القائد موجود مع قواته في زمن الحرب.*
*أما قصة نجله التي يتداولها البعض على أنها استشهاد في المعركة، فهذه غير صحيحة؛ نجله محمد توفي عام 2024 بعد إصابته في حادث دراجة نارية في أنقرة بتركيا.*
*لكن القضية الأهم ليست قصة الابن أصلًا .. القضية هي القدوة، حين يرى الجندي قائده قريبًا منه، وحين يشعر المواطن أن المسؤول يعيش معه ظروف الحرب، وحين يرى الناس أن التضحيات لا تُفرض على الفقراء وحدهم، يصبح خطاب التعبئة أكثر صدقًا وتأثيرًا.*
*أما أن يُقال للمواطن: اذهب إلى الجبهة .. ضحِّ .. قاتل .. قدّم ابنك .. ثم يسأل المواطن: وأين أبناء المسؤولين؟ وأين قيادات الدولة؟ وأين أسرهم؟ وأين يعيشون؟*
*فهذا السؤال لن يستطيع أي خطاب حماسي أن يمحوَه.*
*يا قيادة اليمن .. الشعب اليمني ليس جبانًا، ولم يكن يومًا جبانًا، هذا الشعب قدّم آلاف الشهداء، وتحمل سنوات الحرب، والفقر، والنزوح، وانقطاع الرواتب، وغلاء المعيشة، وانهيار الخدمات، وفقدان الأحبة.*
*فلا تختبروا صبره بخطابات جديدة فقط، أعطوه دولةً تستحق التضحية من أجلها، أعطوه قيادةً يشعر أنها معه، أعطوه جيشًا منظمًا وحقوقًا مصانة، أعطوا الجندي راتبه وكرامته، أعطوا أسرة الشهيد حقها، وأعطوا المواطن سببًا حقيقيًا ليؤمن أن تضحياته لن تذهب سدى.*
*فالمواطن لا يريد أن يسمع فقط: «النفير العام» بل يريد أن يرى: «القدوة العامة». ولا يريد أن يسمع: «اذهبوا إلى الجبهات». بل يريد أن يرى القيادة تقول بالفعل: «نحن معكم، وبينكم، ونتحمل معكم ثمن هذه المعركة».*
*فإذا كانت المعركة معركة وطن، فليكن الوطن للجميع، وإذا كانت التضحية واجبًا، فليكن الواجب على الجميع، وإذا كان النفير عامًا، فلا ينبغي أن يشعر المواطن أن النفير على الفقراء فقط، بينما الراحة والبعد عن الخطر لأبناء أصحاب القرار.*
*الوطن لا يُبنى بالخطب وحدها .. ولا تُستعاد الدولة بالشعارات وحدها .. ولا تُصنع الثقة بالأوامر وحدها .. الثقة تُبنى عندما يرى المواطن أن من يطلب منه التضحية يحترم تضحيته، ويشاركه همومه، ويقدم القدوة قبل أن يطلب الواجب.*
*وفي النهاية: يا من تطلبون من الشعب النفير .. اجعلوا الشعب يرى منكم أولًا ما يجعله يقول: هؤلاء معنا .. وهذه معركتنا جميعًا .. وهذا وطننا جميعًا.*
*النفير الحقيقي ليس مجرد إعلان في خطاب، النفير مسؤولية متكاملة: قيادة في المقدمة، وجيش منظم، ورواتب منتظمة، ورعاية للجرحى، وحقوق لأسر الشهداء، وعدالة في توزيع التضحيات، ومؤسسات تقوم بواجباتها.*
*يا قيادة اليمن .. إذا أردتم من الشعب أن يلتف حولكم، اقتربوا من الشعب، وإذا أردتم من الشباب أن يذهبوا إلى الجبهات، كونوا أنتم أول من يشعر بوجع الجبهة، وإذا أردتم من اليمنيين أن يؤمنوا بأن المعركة معركتهم، فأقنعوهم أولًا بأن الدولة دولتهم، والقرار قرارهم، والتضحيات موزعة بعدل، وأن أبناء المسؤولين والمواطنين أمام الواجب الوطني سواء.*
*فالشعوب لا تهرب من المعارك حين ترى قادتها صادقين معها .. الشعوب تتقدم حين ترى القيادة في مقدمة الصف، لا حين تسمعها فقط من خلف الشاشات.*
*والسؤال الذي سيبقى معلقًا في وجه كل قيادة: هل النفير مطلوب من الشعب وحده .. أم أن النفير يبدأ أولًا من القيادة؟*
*حينها فقط تصبح كلمة «النفير» نداءً يهز القلوب، لا مجرد خطاب يمر عبر الشاشات.*






