الحضارم يستحقون مشروعاً حضرمياً.. بلا وصاية
بقلم / د. فائز سعيد المنصوري
الأحد الموافق: 27/ 9/ 2026م
في حضرموت تُسوَّق مشاريع سياسية متعددة؛ مشروع استعادة الدولة الجنوبية، ومشروع اليمن الكبير الاتحادي، ومشروع دولة حضرموت. ولكل مشروع أنصاره وخطابه وأدواته، لكن التأمل في المشهد يثير سؤالاً جوهرياً: أين المشروع الذي يضع المواطن الحضرمي وثروات حضرموت وقرارها السياسي في المقدمة؟ لقد عاش الحضارم فوق ثروة نفطية كبيرة، وعلى مساحة جغرافية واسعة، وفي أرض ذات تاريخ وهوية عميقة، ومع ذلك ظل الجزء الأكبر من هذه الإمكانات بعيداً عن تحقيق حياة تليق بالمواطن. والمشكلة ليست في غياب الثروة أو الإمكانات، وإنما في غياب مشروع سياسي واضح يجعل مصلحة حضرموت معياراً ثابتاً، لا ورقة تفاوضية تستخدمها القيادات عندما تكون خارج السلطة، ثم يخفت صوتها عندما تحصل على موقع سياسي. ومن المفارقات أن معظم المشاريع السياسية تجد لها أنصاراً من أبناء حضرموت. وربما كان أنصار مشروع استعادة الدولة الجنوبية الأكثر تنظيماً وقدرةً على الحشد، لكن ارتباط مشروعهم بإطار سياسي جنوبي أوسع يجعل السؤال مشروعاً: هل توجد ضمن هذا المشروع رؤية حضرمية مستقلة تضمن إدارة ثروات حضرموت وقرارها ومصالحها؟ أم أن حضرموت ستظل جزءاً من مشروع أكبر، يتحدد مركز قراره خارج حدودها؟ وفي المقابل، يواجه مشروع دولة حضرموت تحديات واقعية كبيرة؛ جغرافية وسياسية وإقليمية. كما أن الارتهان في تسويق هذا المشروع إلى قبول هذه الدولة أو تلك، أو انتظار احتضان عاصمة إقليمية، يضعف جوهر فكرة الاستقلالية نفسها. فالمشروع الذي يريد أن يكون مستقل القرار لا ينبغي أن يبدأ من سؤال: من سيحتضننا؟ بل من سؤال: ماذا نريد نحن، وكيف نبني مؤسساتنا ونحمي مصالحنا ونضمن شراكاتنا؟ أما مشروع حضرموت ضمن يمن اتحادي، فإنه يصطدم أيضاً بإرث طويل من عدم الثقة، خصوصاً مع استحضار ما يراه كثير من الحضارم تاريخاً من سوء إدارة الثروة وتهميش المحافظة خلال العقود الماضية. لكن حضرموت لا تحتاج إلى مشروع يستجدي الرياض، ولا إلى مشروع يستجدي عدن، ولا إلى مشروع يستجدي صنعاء. حضرموت تحتاج أولاً إلى مشروع حضرمي واضح، يصنعه أبناؤها، ويحدد مصالحها، ويحمي ثرواتها، ويصون قرارها، ويحدد شكل علاقتها بجيرانها٬ وبقية اليمن، وبالمملكة العربية السعودية وسائر دول الإقليم على أساس الشراكة والمصلحة المتبادلة، لا على أساس الوصاية.
الحضارم لا يريدون أن نستبدل تبعيةً بتبعية، ولا وصايةً بوصاية، ولا مركزاً بمركزٍ آخر.
يريد الحضارم أن تكون ثروتهم في خدمة أهلهم، وقرارهم بأيدي مؤسساتهم، وشركاؤهم اختياراً لا إملاءً.
ومن أراد أن يكون شريكاً لحضرموت فأهلاً وسهلاً به، أما من أراد أن يكون وصياً عليها، فحضرموت ليست بحاجة إلى أوصياء.
*فالانتماء إلى حضرموت لا يعني العداء للشمال أو الجنوب، ولا يعني القطيعة مع السعودية أو غيرها، وإنما يعني ببساطة أن يكون الحضرمي أول من يحدد مصالح حضرموت، وأن تكون حضرموت طرفاً في أي تسوية تخصها، لا مجرد ساحةٍ تُتخذ فيها القرارات بالنيابة عنها.*
إن مستقبل حضرموت لا ينبغي أن يُرسم في صنعاء أو عدن أو الرياض، ثم يُطلب من أبنائها التصفيق له؛ بل ينبغي أن يكون للحضارم مشروعهم ورؤيتهم ومؤسساتهم، وبعد ذلك يختارون شركاءهم وعلاقاتهم وفق مصالحهم.
*حضرموت ليست جائزةً في صراع الآخرين، وليست ورقةً تفاوضيةً بيد أحد. حضرموت وطنٌ له تاريخ وثروة وهوية، ويستحق مشروعاً سياسياً يعبّر عن إرادة أبنائه ومصالحهم.*






