26 سبتمبر.. قصة شعب انتفض من الظلام إلى النور
بقلم / مؤمن الحاج
في السادس والعشرين من سبتمبر من كل عام يستعيد اليمنيون واحدة من أهم المحطات في تاريخ وطنهم الحديث وهي ذكرى الثورة التي اندلعت عام 1962 وأعلنت قيام الجمهورية في شمال اليمن لتبدأ معها مرحلة جديدة من تاريخ البلاد. وقد شكلت الثورة تحولاً سياسياً كبيراً أنهى نظام الإمامة وأسس لنظام جمهوري جديد.
كان السادس والعشرون من سبتمبر يوماً مختلفاً في حياة اليمنيين فقد حمل معه تحولاً تاريخياً لم يكن مجرد تغيير في شكل السلطة بل كان بداية لمرحلة جديدة ارتبطت بمشروع الجمهورية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة. وفي ذلك اليوم خرجت اليمن من مرحلة تاريخية طويلة إلى مرحلة أخرى حملت معها أحلاماً كبيرة بمستقبل مختلف يقوم على الجمهورية ومؤسسات الدولة.
ولم تكن الطريق أمام الجمهورية الجديدة سهلة فقد واجهت البلاد بعد الثورة حرباً أهلية طويلة بين القوات الجمهورية والقوى التي سعت إلى إعادة نظام الإمامة. واستمر الصراع لسنوات قبل أن ينتهي عام 1970 مع بقاء النظام الجمهوري. كما ارتبطت الحرب بتدخلات إقليمية كان لها تأثير كبير في مسار الأحداث.
ومع كل تلك الصعوبات بقيت الجمهورية قائمة وبدأت مرحلة جديدة من بناء مؤسسات الدولة. وتشير المصادر التاريخية إلى أن النظام الجمهوري اتجه إلى تطوير الإدارة والقضاء ضمن إطار سياسي وقانوني جديد كما صدر أول دستور جمهوري حديث في عام 1970.
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت ثورة 26 سبتمبر جزءاً أساسياً من الذاكرة الوطنية اليمنية. فقد تناقلت الأجيال قصة الثورة وتضحيات رجالها والأحداث التي رافقت قيام الجمهورية. وتحولت الذكرى مع مرور الزمن إلى مناسبة يستحضر فيها اليمنيون تاريخاً طويلاً من التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها وطنهم.
لقد كانت الجمهورية بالنسبة لجيل الثورة مشروعاً لمستقبل مختلف. وكان بناء الدولة الحديثة أحد أبرز التحديات التي واجهت اليمن بعد الثورة. فالدولة لا تبنى في يوم واحد ولا تستطيع الثورات وحدها أن تحقق كل تطلعات الشعوب وإنما تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وتعليم وتنمية واستقرار سياسي واجتماعي.
ولهذا فإن قراءة 26 سبتمبر لا تتوقف عند لحظة إسقاط نظام الإمامة وإعلان الجمهورية بل تمتد إلى ما جاء بعدها من مراحل وتجارب. فقد شهد اليمن خلال العقود التالية تغيرات سياسية كبيرة وصراعات وحروباً وتحولات اجتماعية واقتصادية وصولاً إلى قيام الوحدة اليمنية عام 1990.
وبقيت سبتمبر حاضرة في الذاكرة اليمنية رغم اختلاف الظروف وتغير الأجيال. فالذين عاشوا الثورة حملوا ذكرياتها إلى أبنائهم وأحفادهم بينما أصبحت أحداثها جزءاً من المناهج والكتب والصحف والذاكرة الشعبية. كما بدأت صحيفة الثورة في صنعاء عام 1962 وأصبحت واحدة من الصحف التي ارتبط اسمها بتاريخ الجمهورية.
إن قصة سبتمبر هي في جانب كبير منها قصة شعب كان يبحث عن طريق جديد لبناء وطنه. وهي قصة أجيال آمنت بأن اليمن قادر على الانتقال إلى مرحلة مختلفة وأن الدولة يمكن أن تقوم على المؤسسات بدلاً من نظام الحكم الذي كان سائداً قبل الثورة.
وعندما يعود اليمنيون اليوم إلى ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر فإنهم لا يستعيدون الماضي فقط بل يتأملون أيضاً حاضر وطنهم ومستقبله. فالتاريخ يمنح الشعوب فرصة لفهم ما مروا به ومعرفة أسباب التحولات التي عاشوها واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعدهم في بناء المستقبل.
لقد أثبت تاريخ اليمن منذ عام 1962 أن بناء الدولة مهمة شاقة تحتاج إلى الاستقرار والتوافق وسيادة القانون. كما أثبتت التجارب المتعاقبة أن الصراعات الطويلة تترك آثاراً عميقة على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى حياة المواطنين.
ومن هنا تظل ذكرى سبتمبر مناسبة للتذكير بقيمة الدولة ومؤسساتها وبأهمية أن يكون القانون فوق الجميع وأن يكون المواطن محور أي مشروع وطني. فالجمهورية ليست مجرد اسم أو مناسبة سنوية وإنما مسؤولية تتطلب مؤسسات قوية وعدالة ومواطنة متساوية وحماية لحقوق الناس.
وعلى امتداد أكثر من ستة عقود تغيرت اليمن كثيراً وتغيرت معها الأجيال والظروف السياسية والاجتماعية لكن اسم 26 سبتمبر بقي حاضراً في الذاكرة. فقد أصبحت الثورة إحدى العلامات الفارقة التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن تاريخ اليمن الحديث.
وفي كل عام تعود الأعلام إلى الشوارع وتعود الأغاني الوطنية وتعود صور الثورة إلى الواجهة ويستعيد اليمنيون قصص آبائهم وأجدادهم الذين عاشوا تلك المرحلة. وبينما تختلف قراءات اليمنيين للتاريخ وتفاصيله تبقى حقيقة قيام الجمهورية في شمال اليمن عام 1962 محطة أساسية في مسار الدولة اليمنية الحديثة.
إن سبتمبر ليست مجرد تاريخ مكتوب على صفحات الكتب بل ذاكرة وطنية حملتها الأجيال جيلاً بعد جيل. وهي مناسبة لاستحضار تضحيات الماضي والتفكير في مسؤولية الحاضر وصناعة المستقبل.
فاليمن اليوم بحاجة إلى أن يستفيد من تجاربه التاريخية وأن يحول ذاكرة الصراعات إلى دروس لبناء السلام وأن يجعل من مؤسسات الدولة أساساً لحماية المجتمع وأن يمنح أبناءه فرصة للعيش بأمان وكرامة وأن يفتح أمام الأجيال الجديدة أبواب العلم والعمل والتنمية.
لقد كان حلم الجمهورية في بدايته مرتبطاً بفكرة الانتقال إلى دولة حديثة. ومع مرور السنوات أصبحت مسؤولية اليمنيين أكبر في الحفاظ على مؤسسات الدولة وتطويرها ومعالجة أخطاء الماضي والعمل على بناء مستقبل أكثر استقراراً.
وفي ذكرى 26 سبتمبر يستعيد اليمنيون صورة وطن خرج من مرحلة تاريخية طويلة ودخل مرحلة جديدة. وبين الأمس واليوم تبقى قصة اليمن مفتوحة على المستقبل ويبقى السؤال الأكبر هو كيف يمكن تحويل تضحيات الأجيال السابقة إلى واقع أفضل للأجيال القادمة.
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه الأجيال الحالية لذكرى سبتمبر هو أن تجعل منها دافعاً لبناء وطن آمن ومستقر وأن تتعلم من التاريخ بدلاً من إعادة أخطائه وأن تجعل الاختلاف وسيلة للحوار لا سبباً للصراع وأن يكون اليمن وطناً يتسع لجميع أبنائه.
ستظل 26 سبتمبر محطة مضيئة في سجل التاريخ اليمني الحديث وذكرى مرتبطة بقيام الجمهورية وبمرحلة تحول كبرى شهدها اليمن. وستبقى قصتها حاضرة في وجدان اليمنيين لأنها تحكي قصة شعب أراد أن يفتح لنفسه طريقاً جديداً نحو المستقبل.
26 سبتمبر.. قصة شعب انتفض من الظلام إلى النور 🇾🇪
ذكرى ثورة صنعت تحولاً في تاريخ اليمن وفتحت صفحة الجمهورية وستظل حاضرة في ذاكرة الأجيال جيلاً بعد جيل.






