التعليم أمانة.. وحضرموت منهوبة حتى في جامعاتها
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
26 سبتمبر 2026
ليس مؤلماً أن تكون الأرض فقيرة فتعجز عن تعليم أبنائها، فالفقر قد يكون عذراً.
المؤلم أن تكون الأرض غنية، ثم يبدو الفقر في جامعاتها!
وهذه هي المفارقة التي يراها المتابع اليوم في حضرموت؛ أرض غنية بالثروات والموارد والكفاءات، بينما يصل الحال ببعض طلاب جامعاتها إلى البحث عن الكهرباء والمواصلات وأبسط مقومات الدراسة.
حضرموت مهضومة في مواردها وخدماتها، واليوم يبدو أن الهضم وصل إلى أخطر ما تملكه: تعليم أبنائها.
فالتعليم أمانة، ومن يعجز عن حفظ هذه الأمانة عليه أن يفسح المجال لمن يستطيع.
كانت جامعة حضرموت في عهد مؤسسها الدكتور علي هود باعباد مشروعاً أكاديمياً صاعداً؛ كليات وتخصصات جديدة، مؤتمرات وندوات، وحركة أكاديمية، ومجلس أمناء فاعل ترأسه الشيخ بقشان وأسهم معه رجال أعمال وشخصيات آمنت بأن بناء الإنسان أهم من بناء الحجر.
واليوم يحق لأي متابع أن يسأل:
ماذا بقي من ذلك الطموح؟
هل يعقل أن تصبح الصورة الأكثر تعبيراً عن واقع إحدى كليات الجامعة طلاب هندسة يحملون المراوح اليدوية لمواجهة الحر والرطوبة؟
طالب الهندسة يفترض أن يحمل مشروعاً علمياً أو جهازاً أو كتاباً، لا مروحة يبحث بها عن شيء من الهواء داخل جامعته!
وحين يصل الحال بأعضاء هيئة التدريس إلى الاعتراض على تقديم المحاضرات بسبب الظروف غير المناسبة، فليس مقنعاً اختزال الأزمة في مولد أو كمية ديزل.
هذه ليست أزمة كهرباء فقط؛ إنها أزمة إدارة وأولويات.
والأشد غرابة أن تتحرك المعالجة بعد انتشار الصور والشكوى.
فهل تحتاج الإدارة إلى وسائل التواصل الاجتماعي حتى تكتشف أن طلابها يعانون؟
وأين كانت قبل أن تتحول المعاناة إلى صور يتداولها الناس؟
ثم تأتي الأموال.
إذا صحت المعلومات المتداولة عن حصول رئاسة الجامعة على نسبة تصل إلى 50% من رسوم الكليات، فمن حق المجتمع أن يعرف بالتفصيل:
كم تجمع الجامعة؟ وأين تذهب الأموال؟ وكم يعود منها فعلياً إلى الطالب؟
فلا يعقل أن تُجمع الرسوم ثم تقف الكلية عاجزة أمام كهرباء قاعة دراسية.
الشفافية هنا ليست منّة من أحد.
إنها واجب.
ومؤخراً أقيمت فعالية حول العلاقات اليمنية الصينية. والانفتاح الأكاديمي على الصين أو غيرها أمر محمود، لكن قبل الحديث عن العلاقات الدولية، ربما كان الأولى التأكد من أن الطالب يستطيع الجلوس في قاعته الدراسية!
فالجامعة ليست صوراً وفعاليات وقاعة مكتظة أمام الكاميرات.
وإذا صحت المعلومات بأن طلاباً حُشدوا من كلياتهم على حساب محاضراتهم لإظهار كثافة الحضور، فذلك يعكس خللاً مؤسفاً في فهم وظيفة الجامعة.
الطالب ليس كومبارساً في مشهد إعلامي.
الجامعة وُجدت من أجله، لا لكي يُستخدم لتجميل صورتها.
لكن المشكلة الحقيقية أعمق من الكهرباء والفعاليات.
إنها الجمود الإداري.
عندما يبقى مسؤولون في مواقع أكاديمية وإدارية أكثر من عشر سنوات، ويستمر بعض العمداء سنوات طويلة، فالسؤال لم يعد عن الأشخاص وإنما عن النظام الذي يسمح بذلك.
هل عقمت حضرموت عن إنجاب قيادات جامعية جديدة؟
بالطبع لا.
حضرموت مليئة بالكفاءات داخلها وخارجها، ولذلك فإن استمرار الوجوه ذاتها سنوات طويلة لا يمكن تبريره بندرة البدائل.
المناصب الأكاديمية ليست ملكية خاصة، والجامعة ليست عقاراً يورث أو موقعاً يحتكر.
الموقع الأكاديمي تكليف مؤقت، ومعياره الإنجاز.
فمن نجح يُشكر، ومن استنفد ما لديه يفسح المجال لغيره.
وينطبق المبدأ نفسه على جامعة سيوون.
المطلوب ليس صراعاً بين الجامعتين، وإنما تحريرهما من الجمود وتحويلهما إلى مؤسستين تتنافسان في العلم والبحث والابتكار، لا في طول بقاء المسؤولين على الكراسي.
ثم ماذا عن الطلاب الذين أصبح الوصول إلى الجامعة نفسه عبئاً عليهم؟
طالب يأتي من الشحر أو غيل باوزير أو غيرهما، ويدفع يومياً تكلفة نقل أصبحت فوق قدرة كثير من الأسر.
أين الجامعة؟
أين السلطة المحلية؟
أين الشركات التي تعمل في حضرموت وتستفيد من مواردها؟
وأين مسؤوليتها الاجتماعية؟
كيف تكون الأرض غنية إلى هذا الحد، بينما قد يعجز أحد أبنائها عن الوصول إلى جامعته بسبب أجرة الطريق؟
هنا تصبح المسألة أكبر من جامعة.
إنها سؤال عن حضرموت كلها:
أين تذهب الموارد؟
وما الذي يعود منها على الإنسان؟
وما نصيب التعليم؟
وما نصيب البحث العلمي؟
ثم هناك قنبلة مؤجلة أخطر: العزوف عن بعض تخصصات التربية والعلوم.
إذا لم يدرس شباب اليوم الرياضيات والفيزياء والكيمياء، فمن سيعلّم الأجيال القادمة؟
هل تنتظر الجامعة حتى تجد مدارس حضرموت نفسها تبحث عن معلمين ثم تشكل لجنة لدراسة المشكلة؟
الإدارة الحقيقية تستشرف الأزمة قبل وقوعها.
وإذا كانت هناك تخصصات مات الطلب عليها، فلتغلق أو تدمج.
ولتُفتح بدلاً منها تخصصات المستقبل: الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والمياه، والزراعة الحديثة، والتعدين، والاقتصاد البحري واللوجستيات والتقنيات الصناعية.
حضرموت لا تحتاج جامعة تدير الماضي.
تحتاج جامعة تبني المستقبل.
ولذلك فالحل ليس شاحنة ديزل ولا اجتماعاً طارئاً بعد انتشار الصور.
الحل يبدأ بمراجعة إدارية ومالية مستقلة وشفافة، وتقييم القيادات والكليات، ونشر البيانات المالية، ووضع مدد محددة للمناصب القيادية، وإعادة الاعتبار لمجالس الأمناء، ومراجعة التخصصات، ودعم نقل الطلاب، واستقطاب الكفاءات، وربط الجامعة باحتياجات المجتمع والاقتصاد.
وقبل ذلك كله، يجب أن يُطرح سؤال واحد على كل من يتولى مسؤولية في التعليم:
ماذا أضفت للطالب؟
لا كم سنة بقيت في منصبك.
ولا كم ندوة افتتحت.
ولا كم صورة التقطت.
بل ماذا أضفت إلى العلم والطالب والجامعة؟
لأن النفط سينضب يوماً، والأموال ستُصرف، والمباني ستتقادم.
أما الإنسان المتعلم فهو الثروة الوحيدة التي لا تنضب.
ولهذا فإن المشهد مؤلم:
حضرموت تمتلك الثروة، بينما يعاني الطالب.
تمتلك الكفاءات، بينما تتكلس الإدارة.
تمتلك الإمكانات، بينما تبحث بعض كلياتها عن أبسط الضروريات.
فلا تقولوا إن حضرموت فقيرة.
حضرموت ليست فقيرة؛ السؤال أين تذهب إمكاناتها، ومن يحاسب على نتائج إدارتها؟
وإذا كانت حضرموت قد هُضمت في مواردها وخدماتها، فلا تجعلوا جامعاتها شاهداً آخر على ذلك الهضم.
لأن العبث بالمال يمكن تعويضه.
وتعثر المشاريع يمكن إصلاحه.
أما جيل يضيع تعليمه، فلن تعيده الموازنات ولا البيانات ولا الوعود.
التعليم أمانة…
وحضرموت تستحق جامعة تليق بها، لا جامعة يتعلم طلابها كيف يتعايشون مع العجز.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






