سيئون تفتح بابًا جديدًا.. حين تجتمع السلطة والأمن والقبيلة من أجل حضرموت
من حكمة مرجعية الكثيري إلى حيوية التميمي.. هل تتحول الشراكة الحضرمية إلى قوة تحفظ الأمن وتخدم المجتمع؟
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : عدنان بن عفيف
26 سبتمبر 2026
في حضرموت، ليست كل الطاولات متشابهة، وليست كل اللقاءات مجرد مناسبات عابرة. فهناك اجتماعات تنتهي بانتهاء التصريحات، وأخرى تفتح مسارًا جديدًا من التفاهم والعمل المشترك. ولعل اللقاء الذي احتضنته مدينة سيئون يوم الإثنين ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦م، بدعوة من مرجعية قبائل حضرموت، وبرئاسة وكيل محافظة حضرموت لشؤون مديريات الوادي والصحراء الأستاذ جمعان سالمين بارباع، ينتمي إلى النوع الثاني؛ لأنه جمع على طاولة واحدة ممثلين عن السلطة المحلية، وقيادة الأمن، ومرجعية القبائل، ومصلحة شؤون القبائل، في مشهد يحمل دلالة تتجاوز حدود الاجتماع نفسه. إنها صورة تقول ببساطة إن أمن حضرموت واستقرارها ليسا مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، ولا السلطة المحلية وحدها، ولا القبيلة وحدها، وإنما مسؤولية مشتركة تحتاج إلى تكامل الأدوار وتنسيق الجهود. والأهم أن هذا اللقاء يأتي في وقت تحتاج فيه حضرموت إلى مثل هذه المساحات التي تلتقي فيها المؤسسات الرسمية مع البنية الاجتماعية، لا لتبادل المجاملات، وإنما لمناقشة القضايا التي تمس حياة الناس وأمنهم وسكينتهم.
الكثيري.. حكمة المرجعية حين تتحول إلى جسر
في هذا المشهد يبرز دور الشيخ عبدالله بن صالح الكثيري، رئيس مرجعية قبائل حضرموت، بما تمثله المرجعية من ثقل اجتماعي وقبلي في حضرموت. فالمرجعية، بقيادته، لا تبدو معنية فقط بالحفاظ على مكانتها التقليدية، وإنما بمحاولة توظيف هذه المكانة في خدمة المجتمع وفتح قنوات التواصل مع مؤسسات الدولة والجهات الأمنية والسلطات المحلية، وهنا تكمن أهمية القيادة الحكيمة للمرجعية. فالمجتمع القبلي في حضرموت جزء أصيل من نسيجها، لكن قيمة هذا الدور تزداد عندما يتحول من مجرد حضور اجتماعي إلى قوة مساندة للاستقرار، ووسيلة للتقريب، وجسر للتفاهم بين المجتمع ومؤسسات الدولة. والمشهد الذي ظهر في سيئون، بما حمله من حضور وتواصل، يؤكد أن المرجعية تستطيع أن تلعب هذا الدور عندما تضع مصلحة حضرموت والمجتمع فوق الحسابات الضيقة. إنها ليست منافسة للدولة، بل شراكة معها. وليست بديلًا عن الأمن، بل سندًا اجتماعيًا له. وليست سلطة موازية، بل مساحة يمكن من خلالها تقريب المجتمع من مؤسساته، والمؤسسات من مجتمعها.
بارباع.. السلطة المحلية حين تفتح أبواب الشراكة
وفي قلب هذا المشهد يبرز دور وكيل محافظة حضرموت لشؤون مديريات الوادي والصحراء، الأستاذ جمعان سالمين بارباع، الذي جاء حضوره في لقاء سيئون الأخير امتدادًا لمسار من التواصل مع المرجعيات والمكونات المجتمعية، وليس موقفًا منفصلًا فرضته مناسبة واحدة. فخلال الأشهر الماضية، ظهر بارباع في أكثر من مساحة تجمع السلطة المحلية بالمجتمع ومكوناته، من بينها لقاءاته مع مرجعية قبائل حضرموت لمناقشة الأوضاع الخدمية ومستوى الاستقرار الأمني وسبل تعزيز الجهود المشتركة، إلى جانب تأكيده على أهمية تكامل الأدوار بين السلطة المحلية والمكونات المجتمعية. كما أن ترؤسه لاجتماع المكتب التنفيذي بوادي وصحراء حضرموت في 15 سبتمبر، قبل أيام قليلة من لقاء المرجعية، لمناقشة الملفات الأمنية والخدمية والتنموية والإيرادية، يعكس أن السلطة المحلية تتعامل مع الاستقرار باعتباره منظومة متكاملة، لا ملفًا أمنيًا منفصلًا عن بقية شؤون المجتمع. وفي ذلك الاجتماع وُجّهت جهود نحو رفع الجاهزية الأمنية وتعزيز الاستقرار التمويني والخدمات العامة. ومن هنا يمكن قراءة حضور بارباع في لقاء المرجعية باعتباره حلقة في سلسلة من محاولات تقريب المسافات بين السلطة والمجتمع، وإيجاد قنوات مباشرة للنقاش حول القضايا التي تمس حياة المواطنين وأمنهم. فالوكيل، بحكم موقعه التنفيذي، لا يحمل فقط مسؤولية تمثيل السلطة المحلية، وإنما يملك مساحة مهمة لصناعة التنسيق بين المؤسسات الرسمية والمكونات الاجتماعية. وهذه المساحة تصبح أكثر أهمية في حضرموت، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية والاجتماعية والقبلية والخدمية بصورة تجعل أي معالجة منفردة أقل قدرة على الوصول إلى جذور المشكلة. ولعل أهمية هذا الدور لا تكمن في أن السلطة المحلية تجلس مع القبيلة فحسب، وإنما في أن الجلوس نفسه يتحول إلى وسيلة لتبادل المسؤولية، والاستماع إلى المجتمع، وتنسيق الجهود قبل أن تتسع القضايا وتتحول إلى أزمات. وهنا يصبح جمعان بارباع جزءًا من معادلة أوسع: سلطة محلية تستمع، ومرجعية اجتماعية تتعاون، وأجهزة أمنية تضطلع باختصاصها، ومصلحة قبلية تفتح قنوات التواصل. وهي معادلة لا تكتمل إلا باستمرارها وتحولها من لقاءات إلى آليات عمل.
سلطان التميمي.. الشباب يعيدون تعريف العمل القبلي
وفي الطرف الآخر من المعادلة، يأتي حضور الشيخ سلطان بن زايد التميمي، مدير عام مصلحة شؤون القبائل بوادي وصحراء حضرموت. وهنا تبرز تجربة تستحق التوقف عندها؛ لأن وجود قيادة شابة في موقع يتصل مباشرة بشؤون القبائل والمجتمع يفتح الباب أمام إعادة تعريف وظيفة المصلحة ودورها. فالمفهوم التقليدي لمصلحة شؤون القبائل قد يختزل عملها في معالجة الخلافات القبلية أو متابعة بعض القضايا الاجتماعية. لكن التطورات التي تشهدها حضرموت تحتاج إلى مفهوم أوسع. مصلحة شؤون القبائل يمكن أن تكون حلقة وصل، ومنصة تواصل، وأداة تنسيق، وذراعًا مجتمعية مساندة للاستقرار. وهنا يمكن قراءة تجربة الشيخ سلطان التميمي باعتبارها تعبيرًا عن قدرة الشباب على دخول مساحات العمل المجتمعي التقليدي بروح جديدة، دون أن يعني ذلك القطيعة مع الأعراف والتقاليد. فالشباب لا يلغون الموروث؛ بل يستطيعون تحديث أدوات التعامل معه. ولا يبتعدون عن القبيلة؛ بل يمكنهم إعادة تقديم دورها بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمجتمع في زمن مختلف. ومن هنا فإن تطوير عمل المصلحة لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد القضايا التي تتعامل معها، وإنما بقدرتها على منع القضايا من التحول إلى أزمات، وتعزيز التواصل، وتوسيع دائرة الشراكة المجتمعية.
الأمن.. شريك لا يعمل في جزيرة منفصلة
وإذا كانت المرجعية تمثل البعد الاجتماعي، ومصلحة شؤون القبائل تمثل قناة مهمة للتواصل المجتمعي، فإن المؤسسة الأمنية تبقى الركيزة الأساسية في حماية الأمن وتطبيق النظام. لكن الأمن، مهما بلغت قدراته، لا يستطيع أن يعمل بعيدًا عن المجتمع. وهنا تأتي أهمية استجابة قيادة الأمن والشرطة بالوادي والصحراء لدعوة المرجعية وحضورها هذا اللقاء. فالتعاون بين الأجهزة الأمنية والمرجعيات الاجتماعية لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعززها عندما يكون في إطار واضح يحترم اختصاص المؤسسات والقانون. والقضايا الأمنية لا تبدأ دائمًا من موقع أمني؛ كثير منها يبدأ من المجتمع، ومن خلاف اجتماعي، أو مشكلة قبلية، أو احتقان محلي، أو قضية تحتاج إلى تدخل مبكر قبل أن تتسع. ولهذا فإن وجود قنوات اتصال مفتوحة بين الأمن والسلطة والمرجعيات والمجتمع يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في إدارة المشكلات قبل تفاقمها.
سيئون.. ليست القضية اجتماعًا واحدًا
ما جرى في سيئون لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره لقاءً بروتوكوليًا آخر. فالقيمة الحقيقية لأي اجتماع من هذا النوع تبدأ بعد انتهاء الاجتماع. ماذا سيحدث لاحقًا؟ هل تستمر قنوات التنسيق؟ هل تتحول المقترحات إلى آليات عمل؟ هل يصبح هناك تواصل دوري بين السلطة والأمن والمرجعية ومصلحة شؤون القبائل؟ هل يمكن الانتقال من معالجة القضايا بعد وقوعها إلى العمل على الوقاية منها؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان لقاء سيئون مجرد محطة، أم بداية لمسار أكثر اتساعًا. ولعل ما يجعل الصورة أكثر أهمية تعدد الزوايا داخل المشهد الواحد، لكنه في الوقت ذاته يضع الجميع أمام مسؤولية مشتركة. فالمشهد لم يكن مجرد لقاء جمع أشخاصًا ومؤسسات، بل كان اختبارًا عمليًا لفكرة التكامل: السلطة المحلية بحضورها التنفيذي، والمرجعية بثقلها الاجتماعي، ومصلحة شؤون القبائل بدورها في التواصل، والأمن بمسؤوليته المباشرة عن حماية الاستقرار.
حضرموت تحتاج إلى هذا النوع من التفاهم
في النهاية، حضرموت لا تحتاج إلى أن تتطابق كل مكوناتها في كل شيء. لكنها تحتاج إلى أن تتفق على ما لا ينبغي الاختلاف عليه: أمن المجتمع، وسكينته، وحماية النسيج الاجتماعي، وخدمة الإنسان، واحترام مؤسسات الدولة، وفتح أبواب الحوار أمام الجميع. والقبيلة في حضرموت تستطيع أن تكون جزءًا من معادلة الاستقرار، عندما تعمل إلى جانب المؤسسات لا في مواجهتها. والأمن يستطيع أن يكون أكثر فاعلية عندما يجد مجتمعًا متعاونًا ومرجعيات مسؤولة. والسلطة المحلية تستطيع أن تنجز أكثر عندما تجد حولها شركاء حقيقيين. ومصلحة شؤون القبائل تستطيع أن تقدم نموذجًا جديدًا عندما تنفتح على المجتمع، وتستثمر طاقة الشباب، وتحوّل دورها من متابعة الملفات إلى صناعة مساحات للتفاهم قبل أن تتحول الخلافات إلى أزمات. وهنا بالضبط تكمن قيمة ما جرى في سيئون. فقد اجتمعت حكمة المرجعية بقيادة الشيخ عبدالله الكثيري، وحضور السلطة المحلية ممثلًا بالوكيل جمعان بارباع، وحيوية العمل المؤسسي بقيادة الشيخ سلطان التميمي، وحضور الأجهزة الأمنية، حول قضية واحدة: كيف نحافظ على استقرار وادي حضرموت ونخدم مجتمعه؟ وهذه ليست معادلة تخص وادي حضرموت وحده. إنها فكرة تستحق أن تمتد إلى حضرموت كلها. لأن حضرموت، في هذه المرحلة، لا تحتاج إلى مزيد من الأطراف التي تعمل كل واحدة في مسارها؛ بقدر ما تحتاج إلى تقاطُع المسارات في اتجاه واحد. اتجاه يحفظ الأمن، ويعزز الاستقرار، ويصون المجتمع، ويقرب المؤسسات من الناس. فحين تجلس السلطة والأمن والقبيلة والمجتمع على طاولة واحدة، لا تكون الرسالة في اجتماعهم فقط، بل في قدرتهم على تحويل هذا الاجتماع إلى عمل، وهذا التفاهم إلى شراكة، وهذه الشراكة إلى استقرار يخدم حضرموت وإنسانها.






