الثروة التي لا تصل إلى الإنسان لمن تكون الأوطان؟!
بقلم : صدام الزبيدي
حين تمتلك الأرض ثروات تكفي لصناعة مستقبل أجيال ثم يبقى الإنسان واقف أمام أبسط احتياجاته فإن السؤال لم يعد عن حجم الثروة بل عن الطريق الذي تسلكه هذه الثروة قبل أن تصل إلى صاحب الحق الأول فيها الإنسان.
فالثروة ليست مجرد أرقام في الموازنات ولا أبار في باطن الأرض ولا موانئ ومنافذ وحقولا تنتج الخيرات الثروة الحقيقية تبدأ حين تتحول تلك الموارد إلى كهرباء مستقرة ومياه متوفرة ومستشفيات قادرة على علاج الناس ومدارس تصنع جيل جديد وطرقات آمنة وفرص عمل تحفظ للإنسان كرامته وتمنحه القدرة على بناء مستقبله.
أما أن تكون الأرض غنية والإنسان فقير فهذه ليست مفارقة عابرة بل سؤال كبير عن معنى الدولة وعن مسؤولية السلطة وعن العدالة في توزيع ما تنتجه الأرض.
لمن تكون الأوطان؟
هل تكون لمن يمتلك القرار فقط؟
أم لمن يسكن الأرض ويزرعها ويحرسها ويدفع ثمن الأزمات من عمره ومستقبل أبنائه؟
الوطن في معناه الحقيقي ليس خريطة معلقة على الجدران ولا شعارات ترفع في المناسبات الوطن هو أن يشعر المواطن أن له نصيبا من خير أرضه وأن كرامته ليست منحة من أحد وأن الخدمات الأساسية ليست فضلا من السلطة بل حقا أصيلا من حقوقه.
وفي حضرموت حيث تجتمع الأرض الواسعة والثروات والإمكانات والموقع الجغرافي المهم يصبح السؤال أكثر إلحاح
لماذا لا تنعكس هذه الإمكانات بالقدر الذي يليق بالإنسان الحضرمي؟
ليس المطلوب أن تتحول الثروة إلى رفاهية مفاجئة ولا أن تختصر التنمية في مشاريع استعراضية بل المطلوب أن يشعر المواطن بأن هناك علاقة واضحة بين ما تنتجه أرضه وبين ما يحصل عليه في حياته اليومية.
فحين تنقطع الكهرباء ويصعب الحصول على الماء وتزدحم المستشفيات بالمرضى وتتراجع فرص العمل وتتأخر المشاريع فإن المشكلة لا تكون في غياب الثروة وحدها بل في غياب الإدارة الرشيدة التي تحول الثروة إلى تنمية.
والسلطة التي تطلب من المواطن الصبر، مطالبة في المقابل بأن تقدم له ما يبرر هذا الصبر.
الصبر ليس بديل عن الحلول والشعارات ليست بديلا عن الكهرباء والوعود ليست بديل عن الماء والتبريرات لا تبني مستشفى ولا تصلح طريقا ولا توفر وظيفة لشاب ينتظر منذ سنوات فرصة لبداية حياته.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن ليس أن تنضب ثرواته بل أن تضيع الثروة دون أن يشعر الإنسان بثمارها.
فالأموال يمكن تعويضها والمشاريع يمكن إعادة بنائها والموارد يمكن اكتشافها من جديد لكن السنوات التي تضيع من أعمار الناس لا تعود.
ومن هنا فإن الحديث عن الثروة يجب أن يتجاوز لغة الأرقام إلى لغة الإنسان.
كم وظيفة صنعتها الثروة؟
كم مدرسة بنيت؟
كم مريضا عولج؟
كم قرية وصلتها المياه؟
كم طريقا أصبح آمنا؟
كم شابا وجد فرصة ليبني مستقبله في وطنه بدلا من أن يبحث عنها بعيدا؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تقاس بها قيمة الثروة لا بعدد الأرقام التي تمر في التقارير والبيانات.
إن الوطن الذي لا يشعر أبناؤه بأن ثرواته تعود عليهم بالنفع يظل يعيش أزمة ثقة مهما كثرت موارده.
والعدالة في الثروة ليست ترفا سياسيا بل أساس للاستقرار.
فالإنسان حين يشعر بأن وطنه ينصفه يصبح أكثر تمسكا بأرضه وأكثر استعداد لحمايتها وبنائها أما حين يرى أن الخيرات من حوله ولا يجد نصيبه منها فإن الفجوة بين المواطن والدولة تتسع ومعها تتسع الأسئلة والاحتقانات.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على الثروة بل على كيفية إدارتها ولمن تعود ومن يراقبها ومن يضمن أن تتحول من مورد في باطن الأرض إلى حياة كريمة فوقها.
الثروة التي لا تصل إلى الإنسان تفقد جزء من معناها والوطن الذي لا يحمي كرامة الإنسان يفقد جزء من روحه.
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا أمام الجميع:
إذا كانت الأرض غنية والثروة موجودة والإمكانات متوفرة والإنسان لا يزال ينتظر أبسط حقوقه فلمن تكون الأوطان؟
ربما تكون الإجابة هي بداية الطريق نحو وطن لا تكون فيه الثروة مجرد ملكية على الورق بل حقا يراه الإنسان في حياته ويشعر به في بيته ويطمئن إليه في مستقبل أبنائه.






