اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

فوق ميزان اليمن… لكل دولة وزنها

فوق ميزان اليمن… لكل دولة وزنها

بقلم/ عوض باشعيوث
الجمعة 18 سبتمبر 2026م

في البحر كل السمك يسبح، ولكن فوق الميزان كل نوع له وزن.

ولعل هذه المقولة تصلح مدخلاً لقراءة المشهد اليمني من زاوية مختلفة: زاوية الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، وحجم نفوذ كل منها في اليمن، وطبيعة علاقاتها بالمملكة العربية السعودية، صاحبة الدور الإقليمي الأثقل في إدارة الصراع اليمني.

فالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تتحرك في الملف اليمني ضمن شبكة مصالح وأمن إقليمي ترتبط بدرجات مختلفة بالسعودية، وبأمن الملاحة والطاقة وممرات التجارة. وفي المقابل، تتعامل روسيا والصين مع الملف من زاوية مختلفة، فتؤكدان على الحوار والتسوية السياسية، وتتحفظان على بعض مسارات الضغط والعقوبات التي قد تقود إلى مزيد من التصعيد.

لكن السؤال الأعمق ليس: من مع الشرعية ومن مع الحوثيين؟

السؤال هو: أين تقف المصالح الكبرى عندما تتقاطع خرائط النفوذ الإقليمي مع العناوين المعلنة للصراع؟

فاليمن لم يعد مجرد حرب داخلية بين أطراف يمنية. موقعه الجغرافي، وباب المندب، والبحر الأحمر، وأمن الطاقة، والحدود السعودية، والعلاقة مع إيران، جعلت البلاد جزءاً من حسابات أمنية واقتصادية تتجاوز حدودها. ولهذا تبدو القوى الدولية وكأنها تتحرك أحياناً من خلف الستار الإقليمي، بينما تتولى القوى المحلية دفع كلفة الصراع على الأرض.

ومن هنا يمكن فهم الدور السعودي باعتباره ليس مجرد دور دولة مشاركة في الحرب، بل مركزاً إقليمياً تتقاطع عنده مصالح دولية متعددة. وفي المقابل، لا يمكن اختزال الموقف الروسي والصيني تجاه الحوثيين في كونه تحالفاً مباشراً معه، بقدر ما يعكس اختلافاً في إدارة الصراع وفي كيفية استخدام مجلس الأمن للعقوبات والضغط السياسي.

لكن التطور الأكثر إثارة للتساؤل يبقى في العلاقة السعودية الإماراتية داخل اليمن.

فالإمارات كانت شريكاً رئيسياً في التحالف الذي قادته السعودية منذ 2015، ثم تطورت لها شبكة نفوذ واسعة عبر قوى محلية جنوبية وساحلية. غير أن التحولات التي شهدها الجنوب انتهت إلى تراجع حضورها العسكري المباشر، الأمر الذي يفتح الباب أمام سؤال يتجاوز حدود الخلاف بين حليفين:

هل كان إبعاد الإمارات من بعض مناطق النفوذ مجرد نتيجة لخلاف سعودي إماراتي، أم أنه جزء من إعادة ترتيب أوسع لخريطة السيطرة والنفوذ في اليمن، ولا سيما الجنوب؟

إذا كانت الجغرافيا هي التي تمنح اليمن قيمته الاستراتيجية، فإن السيطرة على الموانئ والسواحل والممرات البحرية ومراكز الثقل المحلية ليست تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل جزء من ميزان القوة نفسه.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تراجع الدور الإماراتي المباشر باعتباره إعادة ضبط للتوازن داخل المعسكر المناهض للحوثيين، بحيث لا يتحول تعدد مراكز النفوذ إلى منافسة تعرقل الحسابات السعودية أو تعقّد أي تسوية سياسية مقبلة.
وهنا تتضح المفارقة: قد يبدو الصراع يمنياً في واجهته، إقليمياً في أدواته، ودولياً في حساباته.
أما اليمنيون، فهم الطرف الذي يدفع الفاتورة الأكبر.
لذلك فإن فهم مستقبل اليمن لا يكفي فيه تعداد القوى المحلية أو قراءة بيانات مجلس الأمن، بل يتطلب قراءة ميزان المصالح والنفوذ: من يملك الأرض؟ من يملك القرار؟ من يملك الممرات؟ ومن يملك القدرة على التأثير في التسوية؟
ففي اليمن، كما في البحر، الجميع يسبح.
لكن عندما يوضع الجميع فوق الميزان، يظهر وزن كل واحد منهم.

إغلاق