الزواجات الجماعية في حضرموت.. ماذا بعد أن تنطفئ أضواء الحفل؟
بقلم / أحمد عبدالقادر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 17 سبتمبر 2026
تمثل الزواجات الجماعية في حضرموت واحدة من أجمل صور التكافل الاجتماعي، إذ أسهمت في تخفيف أعباء الزواج عن كثير من الشباب، ومنحتهم فرصة لبدء حياة جديدة في ظل ظروف اقتصادية صعبة.
لكن، وبينما نحتفي بهذه المبادرات ونشيد بنجاحها، يبقى سؤال مهم يستحق التوقف عنده: ماذا بعد انتهاء الحفل؟
ماذا يحدث عندما تنطفئ الأضواء ويغادر الضيوف وينتهي التصفيق؟ هل يمتلك العروسان مقومات الاستقرار؟ أم يجدان نفسيهما بعد ليلة الفرح أمام أعباء الإيجار والبطالة وارتفاع تكاليف الحياة؟
هنا يجب أن نراجع أولوياتنا. فالعرسان لا يحتاجون فقط إلى ليلة جميلة يتحدث عنها الناس، بل إلى بداية تساعدهم على بناء حياة مستقرة بكرامة. وليس من المنطقي أن تُستهلك نسبة كبيرة من الموارد في المظاهر الاحتفالية، بينما يكون الشاب أكثر حاجة إلى دعم مباشر أو فرصة عمل أو مشروع صغير يؤمّن مستقبله.
كما أن من المهم أن تُراعى عند اختيار المستفيدين من هذه المبادرات ضوابط ومعايير تساعد على التأكد من الجدية والاستعداد لتحمل مسؤوليات الزواج وتكوين الأسرة، والقدرة على توفير الحد الأدنى من مقومات الاستقرار والمعيشة.
فالمقصود ليس مجرد إتمام الزواج، بل المساهمة في بناء أسرة قادرة على الاستمرار، والحد من حالات الطلاق التي قد تنشأ عن عدم الاستعداد لتحمل المسؤولية، أو العجز عن الإعالة، أو البطالة والتسيب، وغير ذلك من الظروف التي تهدد استقرار الحياة الزوجية.
المطلوب ليس إلغاء الفرح، فالفرح حق مشروع، وإنما ترشيد الإنفاق وتحويل جزء أكبر من الدعم إلى ما يبقى أثره بعد انتهاء الحفل.
ويمكن تطوير تجربة الزواجات الجماعية من خلال تخصيص دعم مباشر للعرسان، وتقليص النفقات غير الضرورية، وربط المبادرات ببرامج التدريب وفرص العمل والمشروعات الصغيرة، إلى جانب إعلان معايير اختيار المستفيدين بشفافية، وإصدار تقارير توضح حجم الدعم وأوجه إنفاقه وأثره الحقيقي.
كما أن نجاح هذه التجارب يجب أن يدفعنا إلى توسيع مفهوم التكافل ليشمل مجالات أخرى لا تقل أهمية؛ كعلاج المرضى، ودعم الطلاب، ومساندة الأسر المحتاجة، وتمكين الشباب اقتصاديًا.
حضرموت لا ينقصها أهل الخير ولا المؤسسات ولا رجال الأعمال، لكنها تحتاج إلى رؤية تجعل العمل المجتمعي أكثر استدامة وأعمق أثرًا.
فالسؤال الحقيقي ليس: كم حفلًا أقمنا؟ بل: كم حياة استطعنا أن نغيّر؟
الزواجات الجماعية تجربة مشرقة تستحق الاستمرار والتوسع، لكنها ستكون أكثر قيمة عندما يمتد أثرها إلى ما بعد ليلة الزفاف، ويتحول نجاحها إلى نموذج أوسع لمشاريع ومبادرات تنموية واجتماعية تشمل مختلف مناحي الحياة.
فالعرس ليلة واحدة… أما الحياة، فهي العمر كله،
وحضرموت قادرة، بما تمتلكه من قيم التكافل وأهل الخير والطاقات البشرية، على أن تصنع مجتمعًا نموذجيًا يحتذى به في التنمية والتكافل والاستقرار.






