تحرير اليمن يبدأ من تحرير «الشرعية» أولًا!
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
11 سبتمبر 2026
بعد أن دخلت حرب اليمن عامها الثاني عشر، أعتقد أن الوقت قد حان لكي نتوقف في السعودية عن ترديد السؤال التقليدي:
كيف نحرر اليمن من الحوثي؟
ونطرح قبله سؤالًا أشد إيلامًا:
كيف يمكن تحرير اليمن قبل تحرير ما يسمى بـ«الشرعية» من العجز والفشل والمصالح التي التصقت بها طوال سنوات الحرب؟
أكتب هذا بصفتي سعوديًا من أصول حضرمية، ومن زاوية المصلحة السعودية أولًا.
دخلت المملكة هذه الحرب وهي تحمل هدفًا واضحًا: حماية أمنها القومي، ومنع سقوط اليمن بالكامل في يد مشروع مسلح مرتبط بإيران، ومساندة سلطة يمنية معترف بها دوليًا يفترض أنها ستقاتل لاستعادة دولتها.
لكن بعد قرابة اثني عشر عامًا، من حق السعودي أن يسأل:
أين هي هذه الدولة التي كان يفترض أن تستعيدها الشرعية؟
وأين المؤسسة العسكرية القادرة على استعادتها؟
وأين المشروع السياسي الذي يستطيع منافسة الحوثي؟
وأين القيادات التي يفترض أنها تحمل مشروع دولة لا مشروع إقامة ورواتب ومناصب؟
لقد دفعت السعودية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وإنسانيًا، وتحملت على حدودها الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسقط شهداء دفاعًا عن أمن المملكة وعن المعركة التي قيل لنا إنها معركة استعادة الدولة اليمنية.
لكن ماذا فعل كثير ممن كانت استعادة دولتهم مسؤوليتهم قبل أن تكون مسؤوليتنا؟
هنا يجب أن نتوقف عن المجاملة.
السعودية تستطيع مساعدة من يريد استعادة وطنه، لكنها لا تستطيع أن تريد استعادة اليمن أكثر من اليمنيين أنفسهم.
وهذه هي عقدة الحرب منذ سنوات.
لقد أصبح لدينا، في تقديري، نوع من «الشرعية المهنية»؛ طبقة سياسية أتقنت البقاء داخل الحرب أكثر مما أتقنت إنهاءها.
فالانتصار ينهي مرحلة.
والتسوية تنهي مرحلة.
أما الحرب المفتوحة، فتبقي الجميع في مواقعهم.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل أصبح استمرار الأزمة عند بعض المستفيدين أكثر راحة من حلها؟
إن كان الحوثي عدوًا معلنًا، فالعجز المزمن داخل المعسكر المقابل له كان هدية مجانية لا تقدر بثمن.
الحوثي قاتل.
والبعض اجتمع.
الحوثي بنى تنظيمًا عسكريًا.
والبعض بنى مكاتب وفنادق ووفودًا.
الحوثي عرف ماذا يريد، مهما اختلفنا جذريًا مع مشروعه.
بينما ظل المعسكر الذي يفترض أنه يستعيد الدولة يتصارع على الدولة قبل أن يستعيدها!
وهذه ليست مأساة فقط، بل عبث سياسي دفعنا نحن السعوديين جزءًا كبيرًا من فاتورته.
والأكثر استفزازًا أن تتحول المملكة بعد كل ما قدمته إلى شماعة يعلق عليها البعض إخفاقاته.
إذا تقدموا فالانتصار لهم.
وإذا فشلوا فالسعودية مسؤولة.
وإذا اختلفوا فالسعودية مطالبة بجمعهم.
وإذا انهارت مؤسساتهم فالسعودية مطالبة بتمويلها.
وإذا توقفت رواتبهم فالسعودية مطالبة بالدفع.
وإذا أرادوا التفاوض فالسعودية وسيط.
وإذا أرادوا الحرب فالسعودية مطالبة بالدعم!
إلى متى؟
السعودية دولة، وليست جمعية خيرية مفتوحة لإدارة الفشل السياسي اليمني إلى الأبد.
وأمن المملكة ليس بندًا تفاوضيًا، ودم الجندي السعودي ليس شيكًا مفتوحًا لأي سياسي يريد إطالة عمره الوظيفي تحت عنوان «الشرعية».
بعد قرابة اثني عشر عامًا، يجب أن تتغير المعادلة:
من يريد دعم السعودية عليه أولًا أن يثبت ماذا يقدم هو للمعركة.
أين قواته؟
أين مؤسساته؟
أين موارده؟
أين قراره؟
أين إنجازه؟
وأين خطته لإنهاء الحرب؟
لا نريد خطابات.
نريد كشف حساب.
من قاتل؟
من هرب؟
من بنى جيشًا؟
من بنى ثروة؟
من وحّد الصف؟
ومن عاش على انقسامه؟
من استخدم الدعم لاستعادة الدولة؟
ومن استخدم «استعادة الدولة» لاستدامة الدعم؟
هذه الأسئلة لم تعد ترفًا سياسيًا.
إنها ضرورة سعودية.
الحوثي ليس وحده المشكلة
هذا لا يبرئ الحوثي لحظة واحدة.
الحوثي مشروع مسلح فرض سلطته بالقوة، وارتبط بالمشروع الإيراني، وهدد أمن المملكة.
لكن مواجهة الحوثي لا تعني منح خصومه صك براءة مفتوحًا.
فالخصم الفاشل قد يطيل عمر عدوك أكثر مما يفعل حليف عدوك.
ولهذا فإن أخطر خدمة حصل عليها الحوثي خلال هذه الحرب لم تكن دائمًا من طهران.
أحيانًا كانت من خصومه أنفسهم.
من انقساماتهم.
من فسادهم.
من صراعاتهم.
من عجزهم عن تقديم نموذج دولة محترم في المناطق الخارجة عن سيطرته.
ومن اعتماد بعضهم على الخارج بدل الاعتماد على شعبهم.
ولهذا أقول:
تحرير اليمن من الحوثي يبدأ سياسيًا بتحرير «الشرعية» من محترفي الشرعية.
من كل من تعامل معها باعتبارها وظيفة لا تكليفًا.
ومن كل من وجد في استمرار الحرب مصدرًا لاستمرار أهميته.
ومن كل مسؤول قضى سنوات يشرح للسعودية ماذا يجب عليها أن تفعل، بدل أن يشرح لشعبه ماذا فعل هو.
والسعودية أولًا
مصلحتنا السعودية اليوم يجب أن تكون المعيار.
لسنا ملزمين بإعادة إنتاج يمن ما قبل الحرب، ولا بإرضاء جميع القوى اليمنية، ولا بحمل دولة كاملة فوق أكتافنا بينما تتصارع نخبها على اقتسامها.
ما يلزمنا هو:
حدود سعودية آمنة، جنوب جزيرة عربية مستقر، إنهاء مصادر التهديد، ومنع تحويل اليمن إلى منصة إيرانية دائمة ضد المملكة.
وما عدا ذلك، فعلى اليمنيين أن يتحملوا مسؤولية تقرير شكل دولتهم ومستقبلهم.
أما حضرموت، التي أنتمي إليها أصلًا وأعتز بها، فلها خصوصيتها التاريخية والاجتماعية والجغرافية، ولا ينبغي أن تعامل باعتبارها مجرد غنيمة تُلحق بهذا الطرف أو ذاك في أية تسوية قادمة.
لكنني عندما أكتب هنا لا أكتب باعتباري طرفًا يمنيًا.
أنا سعودي.
وموقفي يبدأ من الرياض وينتهي عند المصلحة السعودية.
ومن هذه الزاوية تحديدًا أقول:
بعد قرابة اثني عشر عامًا، كفى شيكات سياسية مفتوحة.
كفى تمويلًا للفشل.
كفى إعادة تدوير الوجوه ذاتها وانتظار نتائج مختلفة.
وكفى أن يحمل السعودي عبء قضية بينما بعض أصحاب القضية أنفسهم حوّلوها إلى مهنة.
قبل أن تسألوا السعودية: متى تحررون لنا صنعاء؟
اسألوا أنفسكم:
ماذا فعلتم أنتم لتحريرها؟
وقبل أن نتحدث عن تحرير اليمن من الحوثي، فلنواجه الحقيقة التي تأخر قولها طويلًا:
تحرير اليمن يبدأ من تحرير «الشرعية» أولًا.
تحريرها من الفشل.
من الفساد.
من المحاصصة.
من تجار الحرب.
ومن كل من اكتشف أن بقاء اليمن معلقًا بين حرب لا تنتهي وسلام لا يأتي هو أفضل ضمانة لبقاء منصبه.
السعودية قدمت ما يكفي.
والآن جاء وقت الحساب:
من يريد دولة، فليثبت أنه رجل دولة.
ومن يريد حربًا، فليكن أول من يقاتلها.
ومن يريد من السعودية أن تحمي وطنه، فليثبت أولًا أنه مستعد لحماية وطنه بنفسه.
أما أن نحارب نحن، وندفع نحن، ونتحمل نحن، بينما يتقن الآخرون فن البقاء على هامش حرب بلادهم؛ فهذه ليست شراكة.
هذه فاتورة آن أوان إغلاقها.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






