مسرحية “إعادة التموضع” كيف قايضت بنادق الإيجار الساحل وهل تدفع عدن الفاتورة؟
بقلم/ خالد الصيعري
الجمعة 11/سبتمبر/2026
حين تعجز الجيوش عن تبرير هزائمها تتفتق عبقرية الهزيمة عن مصطلحات ناعمة تُجمّل العار وهكذا تحول الهروب المخزي لمليشيات الساحل الغربي في ليلة ظلماء إلى “إعادة تموضع تكتيكي” انسحبت القوات لعشرات الكيلومترات دون أن تُطلق رصاصة واحدة تاركةً خلفها أبناء تهامة عُزّلاً تحت مقصلة الحوثي في مشهد لا يمكن تصنيفه إلا كفصل وقح من فصول المقايضات الرخيصة على حساب دماء اليمنيين.
شرعية الفنادق وبنادق “البنتاغون الصغير”
ما جرى في الساحل الغربي لم يكن انكساراً عسكرياً أمام قوة لا تُقهر بل كان إشهار إفلاس سياسي وأخلاقي لتحالف هجين من القوى التي لا يجمعها سوى الحقد المتبادل والارتزاق المشترك.
حكومة المنفى العاجزة حكومة “الشرعية” الغارقة في نعيم فنادق الرياض تقف كشاهد زور أخرس تصدر بيانات العويل والاستنكار وكأنها منظمة حقوقية محايدة بينما هي في الحقيقة سلطة مسلوبة الإرادة لا تملك مفتاح غرفة عمليات ولا تجرؤ حتى على مساءلة ضابط خفر سواحل.
أمراء الحرب الجدد التشكيلات المسلحة في المخا وباب المندب ليست جيشاً وطنياً بل كانت ولا تزال إقطاعيات عسكرية تدين بالولاء لمن يدفع بالدرهم لا لمن يحمل الدستور لقد نفذت هذه القوات أمراً عملياتياً فوقياً انسحبت بموجبه من خطوط التماس دون إخطار حلفائها التهاميين في طعنة غادرة ستظل وصمة عار في جبين كل من خطط ووقّع ونفّذ.
الغطاء الجوي وحسابات الربح والخسارة من السذاجة لوم طيران التحالف على غيابه فالرياض لم تعد معنية بحماية مربعات نفوذ أبوظبي طالما أن نيران الحوثي كانت في تلك اللحظة تحرق أسوار مأرب التحالف لم ينسحب سهواً بل تصرّف كتاجر براغماتي قرر وقف نزيف استنزافه بعدما تحول “اتفاق ستوكهولم” المشؤوم إلى تابوت حجري كبّل القوات وحوّلها إلى أهداف ثابتة لمسيّرات صنعاء.
حيث سارع إعلام المليشيا الحوثية إلى تصوير المشهد كفتح مبين وبدأ المرجفون في الترويج لسقوط وشيك لعدن ولحج لكن بين خيال المنتشي بالنصر وواقع البندقية على الأرض تقف جغرافيا متوحشة لم يقرأها هواة التحليلات السريعة:
عنق الزجاجة في كهبوب والعمري الشريط الساحلي الممتد من المخا إلى عدن ليس نزهة عسكرية إنه مصيدة موت مفتوحة على البحر والسماء المرتفعات البركانية الحاكمة في جبال كهبوب ومضيق باب المندب تجعل أي رتل مدرع قادم من الشمال هدفاً مكشوفاً للاحتراق في دقائق معدودة.
ايضا أودية الموت وممرات الوازعية محاولة الالتفاف الجبلي عبر ريف تعز نحو طور الباحة تصطدم بخطوط دفاع طبيعية تُجبر القوات المهاجمة على التحرك في مسارب ضيقة تجعلها فريسة سهلة للكمائن وحرب العصابات المعاكسة.
قاعدة العند وجدار الصد الشمالي البوابة التاريخية في كرش والشريجة محمية بسلاسل جبلية شاهقة تفوق ألف متر عن سطح البحر وتحت ظلالها ترابط منظومات مدفعية وقوات تعرف كل حجر في تلك التضاريس القاسية.
وفوق كل حسابات الخرائط والخطوط العسكرية هناك عقبة كأداء لا يمكن تجاوزها بالبيانات ولا بالصواريخ جدار قبائل الصبيحة هذه الأرض الوعرة تحرسها بنادق رجال لا يقاتلون لحساب غرفة عمليات خارجية بل يدافعون عن دمهم وعرضهم وأرضهم الصبيحة ليست جبهة نظامية تنهار بانسحاب تكتيكي بل هي مقبرة مفتوحة لأي غازٍ يتوهم أن الطريق إلى عدن مفروش بالورود.
إن الخطر الحقيقي الذي يهدد عدن وباب المندب اليوم ليس مصدره صواريخ الحوثي ولا مسيّراته القادمة من الشمال بل يكمن في هذا النخر العفن داخل البيت المناهض له وفي تجار الحروب الذين يبيعون الجبهات في سوق النخاسة الإقليمية.
إذا سقطت عدن مجدداً فلن تسقط لأن الحوثي جيشٌ لا يُهزم بل لأن “الشرعية” حمارُ طروادة كسيح يقوده لصوص يتقاسمون رواتب الموت بينما تُباع الجغرافيا اليمنية بالمتر في بورصة التفاهمات الدولية من خلف ظهور المقاتلين في الخنادق.






