معركة صنعاء… بين خطوط الضغط الدولي ومعاناة الداخل اليمني
بقلم: أ. د. خالد سالم باوزير
هل تحرّك المعارك العسكرية أوراق اللعبة وتكسر حالة الجمود الراهنة؟ وهل تحرير صنعاء بات خياراً حاسمًا أم أن ثمة خطوطاً حمراء وضغوطاً دولية لا يمكن تجاوزها؟
اطّلعتُ اليوم على عدد من النشرات والتصريحات الفردية والعسكرية التي تتحدث عن تقدم قوات الشرعية باتجاه مناطق الجوف وتحريرها وصولاً إلى سوق “اليتَمة”، إضافة إلى التطورات في مناطق بالبيضاء والساحل الغربي.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل أُطلِقت الأوامر فعلياً بعدم التوقف إلا بتحرير العاصمة صنعاء من قبضة جماعة الحوثي؟ أم أن هناك خطوطاً حمراء وضغوطاً تُمارَس على الحكومة الشرعية من قِبَل قوى دولية تستفيد من استمرار الوضع القائم وبقاء الحوثي في صنعاء؟
لقد وقفتُ بالأمس مستغرباً من تصريحات المبعوث الأممي إلى اليمن، والتي يطالب فيها بالتهدئة والدخول في مفاوضات جديدة.
يبدو أن هذا المبعوث -ومن يقف خلفه- بعيد كل البعد عن تفاصيل الوضع الداخلي؛ فالشعب اليمني -ولا سيما في المحافظات الجنوبية وحضرموت- يعيش معيشة ضنكا وسط مجاعة وفقر وبطالة، وتوقف للتعليم، ودمار شامِل في الخدمات، وانهيار مريع للعملة الوطنية، وارتفاع فاحش في الأسعار، ناهيك عن الفساد الإداري والمالي المستشري.
وللأسف، يبدو المبعوث الدولي غير مكترث بالحال الذي وصلت إليه البلاد منذ أكثر من عشر سنوات؛ حيث تصدير النفط متوقف، والتنمية معطلة، والاستقرار غائب.
وكان المتوقع من حكومة الشرعية أن يصدر عن وزرائها تصريح سينتقد هذه الإحاطة، أو أن تطالب مجلس الأمن رسمياً بإعفاء هذا المبعوث وترشيح غيره؛ لأنه لا يبدي حرصاً حقيقياً على معاناة شعب يتجاوز عدده ثلاثين مليون نسمة في الشمال والجنوب.
فما الذي يهمه طالما أنه يتقاضى راتباً بآلاف الدولارات وامتيازات أممية مستمرة، سواء تغير الوضع أم بقي على ما هو عليه؟
من هنا، أنصح الحكومة الشرعية بالمطالبة الصريحة بمغادرة هذا المبعوث وعدم التعامل معه، حتى يتم تعيين شخص آخر يمارس مهامه بحيادية وأمانة وفق التكليف الأممي.
كما يتوجب على الشرعية -أمام المشهد الملتهب في جبهات التماس والحدود- أن ترفض أي تفاوض سياسي حتى تحرير آخر شبر من أراضي الوطن.
ورغم توقع تدخل دول وهيئات للضغط نحو التهدئة، فإن من واجب الحكومة رفض هذه الضغوط وتجاهلها، والمضي قدماً في العمليات الحربية حتى إنجاز التحرير.
لكن السؤال الأهم يكمن فيما بعد التحرير: هل لدى الشرعية خطة جاهزة لإدارة المحافظات الشمالية والقيام بمهام الدولة في حال سقوط الحوثي وتحرير صنعاء؟ هل أُعِدّت الخطط ورُسِمت الاستراتيجيات لعودة مؤسسات الدولة، أم أن الشرعية ستكتفي بالبقاء في الجنوب؟
إن جماعة الحوثي تعيش اليوم وضعاً صعباً ومأزوماً؛ وما استهدافها للمنشآت والمواقع إلا دليل على تخبطها وإفلاسها الأخلاقي. وإذا كان الحوثيون يعتقدون أنهم ثابتون في مواقعهم، فالأولى بهم الدفاع عنها داخل ميدان المعركة، بدلاً من نقل الحرب للخارج واستهداف الأراضي المجاورة بالصواريخ.
إن هذا السلوك يؤكد أن المعارك الأخيرة أربكت حساباتهم، وأن قوتهم بدأت تتلاشى، وأنهم يعيشون خطر السقوط القريب.
لو كان الحوثيون حريصين بحق على تجنيب البلاد ويلات الدمار والقتل، وحقن دماء الآلاف من أبناء الشعب، لكان الأجدر بهم الاستسلام والاعتراف بالواقع، والقبول بعودة الدولة تحت مظلة الشرعية ليأخذ كل ذي حق حقه.
والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل.






