اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

183 ممرضًا ليسوا رقما

183 ممرضًا ليسوا رقما

بقلم / عبدالله حسن قاسم
الاحد 6 سبتمبر 2026

183 ممرضًا وممرضة يقررون الاستقالة من مستشفى سيئون العام بسبب تأخر مستحقاتهم لأشهر. رقمٌ كبير بما يكفي ليهزّ أروقة المسؤولين، لكنه يبدو حتى الآن وكأنه مرّ بهدوء لا يليق بخطورته.

المسألة ليست مجرد مستحقات مالية متأخرة، ولا خلافًا إداريًا يمكن ترحيله إلى اجتماع آخر. نحن نتحدث عن كوادر تمريضية تمثل جزءًا أساسيًا من عصب المستشفى؛ عن أشخاص يقفون إلى جوار المرضى في غرف الترقيد، ويتابعون الحالات، ويسهرون في المناوبات، ويتحملون ضغط العمل في مؤسسة صحية تخدم أعدادًا كبيرة من المواطنين.

وحين يستقيل 183 ممرضًا دفعة واحدة، يتبادر إلى الذهن سؤال لا يمكن تجاهله: كيف سمحت إدارة المستشفى للأزمة أن تصل إلى هذه المرحلة؟ الأكثر إيلامًا أن ضحية هذه الأزمة لن يكون الممرض وحده؛ المريض أيضًا سيدفع الثمن.

مستشفى سيئون العام ليس منشأة يستطيع المواطن استبدالها بسهولة بمستشفى خاص. بالنسبة إلى كثير من الأسر، هو الخيار الأخير؛ المكان الذي تلجأ إليه حين لا تسمح القدرة المالية بالعلاج في القطاع الخاص.

والمواطن الذي يواجه أصلًا ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتآكل دخله، كيف يستطيع أن يتحمل فاتورة مستشفى خاص إذا اضطر إلى البحث عن بديل؟ عملية واحدة قد تستنزف مدخرات أسرة، وأيام الترقيد قد تتحول إلى دين، والفحوصات والأدوية والمستلزمات تضيف أعباء لا يستطيع كثيرون تحملها.

لهذا، فإن خبر تعطّل مستشفى حكومي أو تراجع خدماته يجب أن يكون كافيًا لتحريك المسؤولين فورًا وإجبارهم على البحث عن حلول عاجلة. لكن المؤسف أننا كثيرًا ما نرى أزمات تمس حياة الناس تتراكم أمام أعين المسؤولين، وكأن المواطن هو الطرف الوحيد المطلوب منه أن يصبر ويتحمل. وهنا يصبح الصمت الرسمي أكثر إزعاجًا.

كيف لم تدفع استقالة 183 ممرضًا وممرضة الجهات المعنية إلى معالجة عاجلة وحاسمة؟
كيف يمكن أن يعرف المسؤول أن مئات المرضى قد يتأثرون بتوقف التمريض، ثم يبقى الحل مؤجلًا؟
ولماذا تُدار مثل هذه الملفات بمنطق الانتظار حتى تقع الكارثة، بدلًا من التدخل قبل أن تصل إليها؟

ثم هناك السؤال الذي لا يمكن تجاوزه:
ماذا عن إيرادات المستشفى الذي يستقبل المرضى، ويجري العمليات، ويقدم خدمات الترقيد والفحوصات والأشعة وغيرها، والمرضى يدفعون رسومًا مقابل جانب من هذه الخدمات؟ فأين تذهب هذه الإيرادات؟
كم تبلغ شهريًا؟ وكم ينفق منها على التشغيل؟ وكم يخصص للكوادر؟ وكم تبلغ مستحقات العاملين المتأخرة؟

وإذا كانت الإيرادات لا تكفي، فكم حجم العجز؟ ومن الجهة المسؤولة عن تغطيته؟
هذه ليست أسئلة اتهام، ولا تعني بالضرورة وجود تجاوزات مالية. لكنها أسئلة مشروعة في مؤسسة تقدم خدمات بمقابل، وتتعامل مع أموال عامة وأموال يدفعها المواطن من جيبه.
الشفافية هنا ليست ترفًا؛ إنها ضرورة.

و إذا كانت المشكلة نقصًا في التمويل، فليُعلن ذلك بوضوح. وإذا كانت المشكلة في الموازنة، فلتُكشف أوجه العجز. وإذا كانت هناك مستحقات متراكمة، فليُعلن حجمها وخطة صرفها.

أما أن يبقى المواطن يدفع، والممرض ينتظر، والمستشفى مهددًا بالتوقف، بينما لا يعرف أحد أين تكمن المشكلة تحديدًا، فهذه هي المشكلة الأكبر. ولا ينبغي تحميل الممرض وحده ثمن الأزمة. من السهل أن يُقال للعامل الصحي: اصبر، فالظروف صعبة. لكن هل يمكن أن ينطبق هذا أيضا على المسؤول، ليصبر ستة أشهر دون مستحقات أو اعتمادات؟

لماذا يُطلب من الموظف البسيط، الذي قد لا يتجاوز راتبه عشرات الدولارات، أن يتحمل ويصبر، بينما لا نرى القدر نفسه من الصبر حين يتعلق الأمر بالمرتبات الضخمة والاعتمادات والموازنات؟ أي منطق هذا؟
وهل يمكن مطالبة الممرض بأن يواصل عمله بكفاءة، بينما حقوقه المالية معلقة؟

الكوادر الصحية ليست آلات تعمل بالوقود. خلف كل ممرض أسرة والتزامات وحياة كاملة. وتأخر مستحقاته لا يتوقف أثره عند باب المستشفى؛ بل ينتقل إلى منزله، وطعام أطفاله، وإيجاره، ومواصلاته، ودوائه، وكل تفاصيل حياته.

ثم إن خسارة الممرض لا تعني خسارة موظف فحسب؛ إنها خسارة خبرة تراكمت داخل المستشفى. وعندما يغادر عدد كبير من الكوادر دفعة واحدة، فإن إعادة بناء الفريق ليست مجرد مسألة توقيع عقود جديدة. هناك خبرة بالمكان، وطبيعة العمل، والحالات، والأقسام، ونظام المناوبات، وهي أشياء تحتاج إلى وقت كي تُبنى من جديد.

لذلك، فإن معالجة القضية لا تحتمل حلولًا مؤقتة من نوع: “سننظر في الموضوع” . المطلوب حل واضح وعاجل: صرف المستحقات، حماية الخدمة الصحية، وضمان عدم تكرار الأزمة.

183 ممرضًا ليسوا رقمًا في خبر عابر. هم 183 إنذارًا بأن هناك خللًا ينبغي إصلاحه قبل أن يصبح أكبر من قدرة الجميع على احتوائه.

إغلاق