اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى.. ولدت الفكرة، فهل تبدأ الآن مرحلة الاختبار؟

المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى.. ولدت الفكرة، فهل تبدأ الآن مرحلة الاختبار؟

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : عدنان بن عفيف
6 سبتمبر 2026

لم يعد المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى مجرد فكرة قيد النقاش، ولا مشروعًا تنتظر حضرموت معرفة ما إذا كان سيرى النور أم لا.
في 31 أغسطس 2026، انعقد المؤتمر العام التأسيسي في المكلا، وأُعلن قيام المجلس، وأُقرت جملة من الوثائق والمخرجات، كما جرت تزكية محافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي سالم أحمد الخنبشي رئيسًا للمجلس، مع تفويضه بتشكيل هيئة الرئاسة خلال أسبوعين. وهكذا انتقلت الفكرة من مساحة الحديث والتشاور إلى مساحة أكثر حساسية : مساحة الاختبار والممارسة والمساءلة. وهنا تحديدًا ينبغي أن يتغير السؤال. لم يعد السؤال: لماذا تأسس المجلس بل: ماذا سيفعل بعد أن تأسس ؟ هذه ليست محاولة لتقديم حكم مسبق على تجربة لم تبدأ بعد، ولا دعوة إلى رفضها أو مباركتها دون شروط. إنها محاولة لفتح نافذة للنقاش الهادئ حول تجربة حضرمية جديدة، لأن المؤسسات لا تُقاس بجمال البيانات التي تعلنها، ولا بعدد الشخصيات التي تحضر مؤتمرات تأسيسها، وإنما بما تنتجه من أثر حقيقي في حياة الناس وفي موقع حضرموت السياسي والاقتصادي.

من تعدد الأصوات إلى وحدة الموقف:
لا يمكن إنكار أن حضرموت عانت طويلًا من تعدد الأطر والمكونات والمبادرات، حتى أصبحت كثرة الأصوات أحيانًا سببًا في ضعف الصوت الحضرمي نفسه. ومن هذه الزاوية، فإن قيام إطار تنسيقي واسع يمكن أن يمثل فرصة حقيقية إذا نجح في تحويل التعدد من حالة تنافس واستقطاب إلى حالة تكامل وتنسيق. لكن الفرق كبير بين توحيد الموقف وتوحيد الجميع داخل إطار واحد .  فحضرموت ليست حزبًا واحدًا، ولا قبيلة واحدة، ولا منطقة واحدة، ولا تيارًا سياسيًا واحدًا. قوتها في تنوعها، ولذلك فإن المجلس سيكون أمام امتحان بالغ الأهمية: هل يستطيع أن يكون مظلة للتنسيق دون أن يتحول إلى مظلة للإلغاء؟ وهل يستطيع استيعاب من هم داخله ومن هم خارجه، بحيث يصبح الانضمام إليه خيارًا سياسيًا لا شرطًا للاعتراف بالآخر؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا سياسيًا، بل جوهر نجاح التجربة.
السؤال الأصعب: ما علاقة المجلس بالسلطة..!!
ربما يكون هذا من أكثر الملفات التي تستحق النقاش العام. فحين يكون رئيس المجلس هو في الوقت ذاته محافظ حضرموت وعضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، فإن موقع المجلس وعلاقته بالسلطة المحلية والمركزية سيظلان محل اهتمام ومتابعة.

هل المجلس إطار سياسي مجتمعي مستقل؟
أم أنه جزء من منظومة السلطة المحلية؟ أم أنه مساحة مشتركة بين السلطة والمكونات السياسية والمجتمعية؟ وإذا كان إطارًا مستقلًا، فما حدود هذه الاستقلالية؟ وإذا كان قريبًا من السلطة، فكيف يمكن ضمان ألا تتحول هذه العلاقة إلى تبعية؟ المسألة هنا ليست مرتبطة بشخص المحافظ، وإنما بطبيعة المؤسسة ذاتها.
فالمؤسسات الجادة يجب أن تبقى قادرة على الاستمرار حتى مع تغير الأشخاص والمواقع. ولهذا فإن أحد الاختبارات الحقيقية للمجلس سيكون: هل يستطيع بناء مؤسسات وهيئات وآليات عمل تجعل استمراره مرتبطًا بالنظام الأساسي واللوائح والعضوية، لا بشخص رئيسه أو موقعه الرسمي؟
هل جاء المجلس بديلًا عن المكونات أم منسقًا بينها؟ السؤال الآخر الأكثر أهمية يتعلق بالمكونات الحضرمية القائمة. لماذا اختارت شخصيات ومكونات حضرمية الانخراط في المجلس؟ هل رأت فيه مساحة جديدة للتنسيق والعمل المشترك أم أنها رأت أن الأطر القائمة لم تعد قادرة وحدها على تحقيق ما يطمح إليه الحضارم؟ وهل المجلس مشروع بديل عن هذه المكونات، أم أنه إطار أعلى للتنسيق بينها؟ الفرق بين الأمرين جوهري ؟

فإذا جاء المجلس ليضيف إطارًا تنسيقيًا يربط القوى والمكونات ويوحد مواقفها في القضايا الكبرى، فقد يكون قد سد فجوة حقيقية. أما إذا أدى إلى إضعاف المكونات القائمة أو ابتلاع أدوارها، فإن المشكلة قد لا تكون قد حُلت، وإنما انتقلت من تعدد الأطر إلى مركزية إطار واحد. وهنا ينبغي أن تكون الإجابة واضحة: حضرموت لا تحتاج إلى إلغاء تعددها، بل إلى إدارة هذا التعدد. من البيانات إلى الملفات التي تمس المواطن.
أقر المؤتمر التأسيسي أولوية ملفات التنمية والخدمات، بما في ذلك الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق والاتصالات والبنية التحتية، إلى جانب الاستثمار وتنويع الاقتصاد وخلق فرص العمل. وهذا جيد، بل ضروري. لكن المواطن الحضرمي لن يقيس المجلس بعدد الملفات التي وردت في الوثائق، وإنما بما إذا تغير شيء على الأرض. سيكون السؤال بسيطًا جدًا: ماذا فعل المجلس في الكهرباء؟ ماذا قدم للمياه؟ ماذا فعل في تحسين البيئة الاستثمارية؟ ماذا قدم للشباب؟ كيف سيتعامل مع ملف الموارد؟ كيف سيحضر في قضايا الأمن والاستقرار؟ وماذا سيقدم لحضرموت عندما تدخل اليمن مرحلة التسوية السياسية الشاملة؟ هنا تبدأ قيمة المجلس الحقيقية.

«حضرموت أولًا».. شعار يحتاج إلى ترجمة:
من أبرز العبارات التي حملتها الوثائق والمخرجات مبدأ «حضرموت أولًا»، مع التأكيد على أن ذلك لا يعني الانعزال عن المحيط الوطني والإقليمي، وإنما السعي إلى شراكة متوازنة تحفظ الحقوق والمصالح الحضرمية. وهذه صيغة يمكن البناء عليها، إذا تحولت من شعار إلى منهج. فـ«حضرموت أولًا» ينبغي ألا تعني الانغلاق، ولا الخصومة مع أحد، ولا تحويل حضرموت إلى ساحة صراع مع الأطراف الأخرى. بل تعني أن تكون الأولوية لحقوق أبنائها، وأمنها، واستقرارها، وتنميتها، وعدالة توزيع مواردها، وحضورها السياسي، وأن يكون قرارها قائمًا على مصلحة حضرموت قبل الحسابات الشخصية والحزبية والمناطقية. وهنا تكمن فرصة المجلس.

ماذا عن الشرعية والمرجعية القانونية؟ ومن أكثر الأسئلة التي ينبغي ألا تُدفن تحت عناوين الاحتفاء بالتأسيس، السؤال القانوني والمؤسسي. ما الصفة القانونية الدقيقة للمجلس؟ وما طبيعة علاقته بمؤسسات الدولة؟ وما حدود اختصاصاته؟
وكيف تُتخذ قراراته؟ ومن يراقب أداءه؟ وكيف تُدار موارده؟ ومن أين يأتي تمويله؟ وهل توجد آليات واضحة للمحاسبة والشفافية؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من المجلس، بل تحميه. فكلما كانت قواعد العمل واضحة، كانت المؤسسة أكثر قدرة على مواجهة التشكيك، وأكثر قدرة على الاستمرار.

المال.. الاختبار الصامت:
قد لا يكون التمويل أكثر الملفات إثارة في الخطاب السياسي، لكنه من أكثرها تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة. من أين سيمول المجلس نشاطاته؟ هل ستكون له موارد مستقلة؟ هل سيعلن عن مصادر تمويله؟ هل ستخضع موارده للمراجعة والشفافية؟
وماذا يحدث إذا تغيرت الظروف السياسية أو تغير رئيس المجلس أو تغير موقعه الرسمي؟ إن المجلس الذي يريد أن يصبح مؤسسة حضرمية مستدامة لا بد أن يبني استقلاله المؤسسي والمالي بقدر اهتمامه ببناء حضوره السياسي.

الاختبار الحقيقي يبدأ من خارج قاعة المؤتمر
لقد انتهى المؤتمر التأسيسي. انتهت الكلمات، وصيغت الوثائق، وأُقرت المخرجات، وبدأت مرحلة جديدة. والمرحلة الجديدة هي الأصعب. لأن المجلس سيجد نفسه أمام مجتمع حضرمي واسع، متعدد الرؤى، كثير التوقعات، لا ينتظر بيانًا جديدًا بقدر ما ينتظر نتائج. سيكون عليه أن يثبت أنه قادر على جمع المختلفين، لا جمع المتفقين فقط.
وأن يستمع إلى النقد، لا أن يعتبره خصومة. وأن يراجع أداءه عندما يخطئ، لا أن يبحث عن تبرير للخطأ. وأن يفتح أبوابه لمن لم يدخلوا إليه، لا أن يكتفي بمن حضروا يوم التأسيس. لأننا نريد تجربة جديدة تعيد إنتاج التجارب القديمة ربما يكون هذا هو السؤال الأهم كله: هل يستطيع المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى أن يقدم نموذجًا مختلفًا عن التجارب السياسية التي عرفتها حضرموت واليمن؟ نموذج لا يقوم على الشخصنة. ولا على الإقصاء. ولا على احتكار تمثيل الناس. ولا على تحويل المؤسسة إلى منصة لمصلحة طرف واحد. بل على الشراكة، والتوافق، والشفافية، وتداول المسؤولية، ووضوح الاختصاصات، واحترام التنوع. إذا استطاع المجلس ذلك، فإنه لن يكون مجرد إضافة إلى قائمة المكونات الحضرمية، بل قد يتحول إلى أداة لإعادة تنظيم القوة الحضرمية نفسها. أما إذا عجز عن ذلك، فقد يجد نفسه أمام الأسئلة ذاتها التي حاول أن يعالجها.

حضرموت أكبر من أي مجلس:
في النهاية، ينبغي ألا نضع مستقبل حضرموت كله في مؤسسة واحدة، مهما كانت أهمية هذه المؤسسة. حضرموت أكبر من المجلس التنسيقي، وأكبر من كل المكونات والأحزاب والشخصيات. والمجلس، إن أراد النجاح، عليه أن يدرك أنه ليس مالكًا للإرادة الحضرمية، وإنما أحد أدوات التعبير عنها وتنظيمها. قوة المجلس لن تأتي من عدد المشاركين في مؤتمره التأسيسي فقط، وإنما من قدرته على كسب ثقة من لم يشاركوا فيه. ولن تأتي من موقع رئيسه، وإنما من قوة مؤسساته. ولن تأتي من البيانات، وإنما من النتائج. ولن تأتي من رفع شعار «حضرموت أولًا»، وإنما من القدرة على إثبات أن حضرموت فعلًا أولًا في القرار والممارسة والمصلحة. لقد وُلد المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى في 31 أغسطس. أما نجاحه الحقيقي، فلم يولد بعد. إنه يبدأ من اليوم. ومن حق الحضارم أن يسألوا، ومن واجب المجلس أن يجيب. ليس بالبيانات فقط، وإنما بالعمل. وليس بالوعود، وإنما بالنتائج. فحضرموت لا تحتاج مجلسًا جديدًا يضاف إلى المشهد فحسب، بل تحتاج مؤسسة تستطيع أن تضيف شيئًا جديدًا إلى مستقبلها.
حضرموت أولًا.. ولكن بمؤسسات قوية، وشراكة واسعة، وقرار مسؤول، وشفافية لا تستثني أحدًا.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق