4 أيام من التصعيد.. هل تعيد معارك باب المندب رسم خريطة الحرب في اليمن؟ –
تاربة اليوم
2026-09-06 23:33:00
4 أيام من التصعيد.. هل تعيد معارك باب المندب رسم خريطة الحرب في اليمن؟
الاحد 06 سبتمبر 2026 – الساعة:14:33:01
( / تلفزيون سوريا)
دخل التصعيد العسكري في اليمن، صباح اليوم، يومه الرابع، وسط استمرار المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة “الحوثي” المدعومة من إيران، في واحدة من أبرز جولات القتال منذ سنوات.
وتطرح التطورات المتسارعة أسئلة حول أهداف الهجوم الحوثي، وأهمية باب المندب في المعركة، وتأثير عودة الطيران الحكومي على ميزان القوة، ودور البحر الأحمر في الصراع، وما إذا كان التصعيد يمهد لعودة الحرب الشاملة إلى اليمن.
الخميس.. هجوم واسع وقصف بالصواريخ الباليستية
بدأت الجولة الحالية في الساعات الأولى من الخميس 3 أيلول، مع تصاعد القصف والاشتباكات في مديريتي مقبنة وجبل حبشي غربي تعز، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”.
وبالتزامن، قال المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية إن الحوثيين أطلقوا 14 صاروخاً باليستياً، إلى جانب هجمات متزامنة بالطائرات المسيّرة، استهدفت مناطق في تعز والحديدة والساحل الغربي.
وأضاف الجيش أن دفاعاته الجوية اعترضت عدداً من المسيّرات، في حين تواصلت المواجهات البرية، ولا سيما في قطاع الكدحة بجبهة البرح غربي تعز.
وتمكن الحوثيون خلال الساعات الأولى من الهجوم، وفق مصادر عسكرية نقلت عنها وكالة “فرانس برس”، من السيطرة على مواقع استراتيجية في المرتفعات المطلة على مناطق تسيطر عليها الحكومة قرب البحر الأحمر والخوخة وتعز.
وقالت مصادر عسكرية حكومية للوكالة إن هدف الهجوم تمثل في محاولة عزل مدينة وميناء المخا عن بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، بالتزامن مع التقدم باتجاه مناطق مرتبطة بمضيق باب المندب.
الجمعة.. أكثر من 120 قتيلاً والطيران يدخل المعركة
اتسعت المواجهات، الجمعة 4 أيلول، مع محاولة القوات الحكومية وقف التقدم الحوثي واستعادة المواقع التي خسرتها خلال اليوم الأول.
ونقلت وكالة “فرانس برس” عن مصادر عسكرية وطبية من الطرفين أن أكثر من 120 شخصاً قتلوا خلال يومي الخميس والجمعة، في واحدة من أكثر جولات القتال دموية خلال السنوات الأخيرة.
وقال مسؤول عسكري حكومي إن عدد قتلى القوات الحكومية وحلفائها ارتفع إلى 66، في حين أفادت مصادر طبية وأمنية في مناطق الحوثيين بمقتل 62 من مقاتلي الجماعة على الأقل، إضافة إلى مقتل مدني.
وشهد الجمعة أيضاً تحولاً بارزاً مع دخول الطائرات الحربية التابعة للحكومة اليمنية على خط المواجهة بصورة واسعة.
وأعلن الجيش اليمني تنفيذ 15 غارة جوية على مواقع وتجمعات وآليات للحوثيين في جبهات تعز والحديدة، بهدف إسناد القوات البرية.
ويمثل استخدام الطيران الحكومي بهذا الحجم تطوراً مهماً، بعدما اعتمدت القوات المناهضة للحوثيين خلال مراحل واسعة من الحرب على الغطاء الجوي للتحالف بقيادة السعودية.
وفي اليوم نفسه، امتدت تداعيات القتال إلى المدنيين. وقالت وكالة الأنباء اليمنية الحكومية “سبأ”، إن أربعة مدنيين قتلوا وأصيب تسعة آخرون في معارك الجمعة إثر إطلاق الحوثيين صاروخاً باليستياً على تجمع للمدنيين في طريق هيجة العبد جنوبي تعز.
السبت.. الهجوم المضاد يتسع
شهد أمس السبت تحولاً جديداً في مسار المعارك، مع انتقال القوات الحكومية وحلفائها من محاولة احتواء الهجوم إلى تنفيذ عمليات مضادة في عدد من جبهات تعز والحديدة.
وأعلن الجيش اليمني استعادة مواقع وصفها بـ”الاستراتيجية” في جبهة حيفان على الحدود الإدارية بين تعز ولحج، إلى جانب إحباط محاولة تسلل حوثية في منطقة القصر شرقي مدينة تعز.
وفي الحديدة، أعلنت القوات الحكومية استعادة مناطق الفاش ووادي نخلة شرقي حيس، ومعظم المواقع في منطقتي الديباس وسقم شمال شرقي المدينة، إلى جانب تقدم في جبال المحرق.
كما أعلنت وكالة “سبأ” الحكومية، أيضاً، أن القوات استعادت كامل مديرية حيس وأمنت مناطقها الريفية، وهي رواية لم يصدر بشأنها تعليق من جماعة “الحوثي”.
وامتدت العمليات جنوباً باتجاه مديرية الجراحي، حيث بدأت القوات الحكومية، بمشاركة وحدات من ألوية العمالقة، هجوماً برياً، بالتزامن مع استهداف مسيّرات تابعة لقوات المقاومة الوطنية تعزيزات للحوثيين، وفق مصادر عسكرية حكومية.
وألوية العمالقة هي قوة عسكرية يمنية منضوية ضمن قوات تحالف “دعم الشرعية” الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن، أُنشئت هذه القوات للمشاركة في القتال ضد الحوثيين، وتركز نشاطها بشكل رئيسي في المحافظات الغربية والجنوبية من البلاد.
وفي البحر، أعلنت قوات المقاومة الوطنية، في اليوم نفسه، تدمير زورقين ملغمين قالت إن الحوثيين أرسلوهما لاستهداف منطقة الفجرة جنوبي الخوخة وميناء المخا.
وقوات المقاومة الوطنية هي قوة عسكرية نُخبوية ينحدر جزء كبير منهم من منتسبي الحرس الجمهوري اليمني وقوات الأمن الخاصة سابقاً، ويقود هذه القوات طارق صالح، نجل شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، وقد انخرطت في القتال ضد جماعة الحوثيين في اليمن منذ عام 2017.
الأحد.. استمرار المعارك واتساع النزوح
ودخلت المواجهات يومها الرابع، اليوم الأحد، مع استمرار العمليات على جبهات غربي تعز وجنوبي الحديدة، ومحاولة القوات الحكومية تثبيت المواقع التي أعلنت استعادتها خلال هجومها المضاد.
وقال المتحدث باسم قوات المقاومة الوطنية العميد صادق دويد إن القوات تمكنت من صد محاولات الحوثيين لاختراق الجبهات البرية قبل الانتقال إلى هجوم مضاد، معتبراً أن التصعيد الحوثي يهدف إلى الوصول إلى باب المندب والجزر اليمنية وتهديد الملاحة، في حين لم يصدر تعليق من الحوثي على هذه الاتهامات.
وبالتوازي مع استمرار القتال، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، في تحديث صدر مساء الجمعة 4 أيلول، إن نحو 1790 أسرة نزحت منذ بدء التصعيد، تركز معظمها في مديريتي مقبنة وجبل حبشي، في حين توجهت أسر أخرى إلى المعافر والشمايتين وموزع وذباب.
وأفادت الأمم المتحدة بأن بعض مواقع النازحين أُخليت بالكامل، ما أدى إلى موجة نزوح ثانوية، في وقت أعاق فيه استمرار القصف وصول بعض الأسر إلى مناطق أكثر أمناً.
باب المندب.. ما هدف الهجوم؟
تكتسب المعارك الحالية أهميتها الاستراتيجية من موقعها الجغرافي، إذ ترتبط جبهات غربي تعز بالمرتفعات والطرق المؤدية إلى مدينة المخا والساحل المطل على البحر الأحمر وباب المندب. ونقلت فرانس برس عن مصدر عسكري يمني قوله إن الحوثيين يحاولون السيطرة على مناطق محاذية للمضيق.
وبحسب مصادر عسكرية حكومية تحدثت للوكالة، سعى الحوثيون خلال هجومهم إلى عزل المخا عن بقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وتمكنوا من السيطرة على مواقع مرتفعة تشرف على مواقع حكومية قرب البحر الأحمر والخوخة وتعز.
وتمنح المرتفعات المسيطرة عليها الأطراف قدرة على مراقبة طرق الإمداد والتحركات العسكرية بين غربي تعز والساحل، وهو ما يفسر شدة المعارك حولها.
ويقع ميناء المخا شمالي باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويشكل جزءاً من الطريق البحري بين المحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط.
وبذلك، لا ترتبط نتيجة المواجهات فقط بخريطة السيطرة داخل اليمن، وإنما أيضاً بأمن أحد أهم الممرات البحرية الدولية.
“الحوثيون” والبحر الأحمر
يتقاطع التصعيد البري مع جبهة البحر الأحمر، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً أساسياً من الصراع اليمني والإقليمي.
وتمتلك جماعة الحوثي صواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية استخدموها في هجمات على سفن ومواقع في البحر الأحمر وخليج عدن. ويؤكد ذلك ما تحدث به، موقع الحرب الأميركي “ذا وور زون” في 23 نيسان 2025 عن ترسانة الأسلحة التي تمتلكها الجماعة، قائلاً إنها تملك ترسانة دفاع جوي ومسيرات تشكل تهديداً حقيقياً.
وتمنح المعارك حول المناطق المرتبطة بالمخا وباب المندب هذا الملف أهمية إضافية، إذ يمكن لأي تغير كبير في السيطرة على الساحل أو المرتفعات المحيطة به أن يؤثر في قدرة الأطراف على تهديد طرق الملاحة أو حمايتها.
كما أن إعلان القوات الحكومية تدمير زورقين ملغمين السبت يظهر أن المواجهة الحالية لا تقتصر على العمليات البرية، بل تمتد إلى البحر بالتزامن مع التصعيد الجوي والصاروخي.
السعودية وإيران.. اختبار جديد
تجري المعارك في ظل معادلة إقليمية مختلفة عن السنوات الأولى للحرب اليمنية. فالحوثيون حليف وثيق لإيران، بينما دعمت السعودية الحكومة اليمنية عسكرياً وسياسياً منذ تدخل التحالف في آذار 2015.
وبعد الهدنة الأممية في 2022، اتجهت الرياض إلى خفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي مع الحوثيين، لتدخل الجبهات اليمنية في حالة من “اللاحرب واللاسلم” رغم عدم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل. إلا أن اتساع المواجهات الحالية باتجاه المناطق المرتبطة بالساحل وباب المندب يضع تلك المعادلة أمام اختبار جديد، خصوصاً بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر بالنسبة للسعودية ودول المنطقة والتجارة الدولية.
وفي المقابل، تمنح القدرات الصاروخية والبحرية لجماعة الحوثي إيران حليفاً قادراً على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية، ما يجعل نتائج المعارك مرتبطة بحسابات تتجاوز الداخل اليمني.
وبعد أربعة أيام من المواجهات، بات التصعيد يتجاوز نمط الاشتباكات المحدودة التي شهدتها خطوط التماس خلال السنوات الماضية، مع اتساع نطاق القتال على ثلاثة مستويات متزامنة: معارك برية على المرتفعات وطرق الإمداد، وعمليات جوية، وتحركات بحرية قرب المخا والساحل الغربي.
ولا يعني ذلك أن اليمن عاد إلى حرب شاملة، لكن المواجهات التي بدأت الخميس 3 أيلول تمثل اختباراً جدياً لحالة الهدوء النسبي التي سادت منذ 2022.
وسيكون اتجاه العمليات في غربي تعز وحيس والجراحي والمناطق المؤدية إلى المخا خلال الأيام المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الجولة ستنتهي بإعادة تثبيت خطوط التماس، أم ستفتح مرحلة أوسع من الحرب.
لكن المؤكد حتى الآن أن جبهات ظلت هادئة نسبياً لسنوات عادت إلى الحركة، وأن المخا وباب المندب والساحل الغربي أصبحت مجدداً في قلب الحسابات العسكرية، بما يجعل نتائج المواجهة تتجاوز خريطة السيطرة داخل اليمن إلى أمن البحر الأحمر والتوازنات الإقليمية المحيطة به.






