اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

جسم مفتول وعقل خارب: مغالطة ربط اللياقة البدنية بالنضج الفكري.

جسم مفتول وعقل خارب: مغالطة ربط اللياقة البدنية بالنضج الفكري.

بقلم / م/علي عبود الجابري

المقولة الشهيرة *(العقل السليم في الجسم السليم)* (المقتبسة أساساً من الشاعر الروماني جوفي Juvenal: “Mens sana in corpore sano”) جرى التعامل معها عبر الزمن كقاعدة حتمية وشاملة، بينما هي في أصلها كانت مجرد “أمنية” أو دعوة للتوازن بين الجسد والعقل، وليست شبيهاً بالقانون العلمي الحتمي.
لماذا تُعتبر هذه المقولة غير منصفة؟
* تجاهل عباقرة التاريخ من ذوي الإعاقة: التاريخ مليء بأمثلة حية لعلماء ومفكرين أثروا البشرية بعقول جبارة رغم ضعف أجسادهم أو عدم قدرتهم على الحركة، وعلى رأسهم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ الذي قدّم أعمق النظريات في الفيزياء النظرية والثقوب السوداء رغم إصابته بضمور العضلات واستقراره الكامل على كرسي متحرك.
* الخلط بين الصحة البدنية والقدرة الذهنية: القدرات العقلية، والإبداع، والذكاء، والحكمة مرتبطة بالتكوين العصبي، والتفكير النقدي، والتعليم، والنضج الفكري، وليست نتاجاً لمستوى اللياقة البدنية أو القوة العضلية.
* اختزال الإنسان في مظهر بدني: ربط جودة العقل بسلامة الجسد يُقصي شريحة واسعة من أصحاب الهمم وذوي الاحتياجات الخاصة، ويُغفل حقيقة أن القوة العضلية لا تكفل صاحبها ضد الجهل أو سوء التفكير.
الجسد القوي وسيلة تحافظ على طاقة الإنسان ونشاطه في الحياة Daily Life، لكنه ليس شرطاً مصيرياً لبناء عقل ذكي وراسي.

في النهاية، يجدر بنا أن نعيد النظر في الموروثات الفكرية التي ترهن جوهر الإنسان بقالبه الخارجي. إن العقل ليس عضلة تُقاس بقوتها البدنية، بل هو شعلة تُغذيها التجربة، والتفكير النقدي، والشغف بالمعرفة. ويبقى الفكر الحر والوعي العميق هما المعيار الحقيقي للإنسان؛ فكم من جسدٍ أقعده المرض بينما حلّق عقله في آفاق الكون، وكم من جسدٍ مكتمل البنيان عاش حبيس الجهل والسطحية. لقد آن الأوان لنستبدل المقولات التبسيطية بفهمٍ أكثر إنصافاً وإنسانية: *العقل السليم يُبنى بالتفكير السليم*،بغض النظر عن القالب الذي يحمله.

إغلاق