اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الحلقة التاسعة : حضارم المهجر.. ذلك الأصل المُهدَر( كيف يتحول الانتشار الحضرمي العالمي إلى إلهام لصناعة المستقبل؟ )

الحلقة التاسعة : حضارم المهجر.. ذلك الأصل المُهدَر( كيف يتحول الانتشار الحضرمي العالمي إلى إلهام لصناعة المستقبل؟ )

إعداد / د.  احمد باصهي

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة مقومات بناء المستقبل داخل حضرموت، نصل الآن إلى عنصر يتميز به المجتمع الحضرمي بصورة خاصة:

الامتداد الحضرمي في العالم.

فحضرموت لم تكن عبر تاريخها مجتمعًا منغلقًا داخل حدود جغرافية محددة، بل ارتبط أبناؤها بشبكات واسعة من الهجرة والتجارة والعلم والثقافة، وأصبح للحضارم حضور في مجتمعات متعددة في آسيا وأفريقيا والخليج وغيرها.

ومن هنا يبرز السؤال:

هل يمكن تحويل هذا الانتشار التاريخي وهذه القوة الناعمة إلى قوة حضرمية منظمة وأصل يتم استثماره بما يخدم التنمية وبناء المستقبل؟

أولًا: المهجر ليس مجرد ذاكرة

غالبًا ما يُنظر إلى الهجرة الحضرمية باعتبارها جزءًا من التاريخ.

لكنها في الحقيقة يمكن أن تكون جزءًا من المستقبل أيضًا.

فالحضارم في المهجر يمتلكون:

– خبرات علمية وأكاديمية.

– خبرات اقتصادية وتجارية.

– مؤسسات وشبكات اجتماعية.

– تجارب إدارية وتقنية.

– علاقات دولية واسعة.

– رؤوس أموال يمكن استثمارها.

– معرفة بالأسواق العالمية.

وهذه الإمكانات يمكن أن تشكل أصلاً بشريًا ومعرفيًا واقتصاديًا مهمًا لحضرموت.

ثانيًا: الداخل والمهجر شراكة لا بديل

من المهم التأكيد على أن أبناء الداخل هم أصحاب الدور الأساسي في إدارة شؤون حضرموت.

فالانتشار في الخارج لا يمنح أحدًا حق الوصاية على المجتمع في الداخل.

وفي المقابل، لا ينبغي النظر إلى أبناء المهجر باعتبارهم مجرد مصدر للتحويلات المالية.

والصيغة الأفضل هي:

الداخل يقود التنمية على أرض الواقع، والمهجر يساندها بالخبرة والاستثمار والعلاقات والمعرفة.

وهذه شراكة متوازنة تحترم دور الطرفين.

ثالثًا: من التحويلات إلى الاستثمار

لطالما ارتبطت الهجرة بالتحويلات المالية.

لكن السؤال الأهم هو:

كيف نحول جزءًا من هذه الأموال إلى استثمارات منتجة؟

يمكن ذلك من خلال إنشاء بيئة استثمارية آمنة وشفافة تشجع الحضارم في الخارج على الاستثمار في:

الصناعة، والزراعة، والثروة السمكية، والسياحة، والطاقة، والخدمات، والتقنية، والتعليم، والصحة.

فالتحويل المالي يساعد الأسرة، بينما الاستثمار المنتج يمكن أن يبني اقتصادًا ويوفر وظائف ويخلق قيمة مستدامة.

رابعًا: شبكة الكفاءات الحضرمية

من الأفكار التي تستحق الدراسة إنشاء قاعدة بيانات أو شبكة عالمية للكفاءات الحضرمية.

بحيث يمكن معرفة:

من هم الأطباء؟

من هم المهندسون؟

من هم الأكاديميون؟

من هم الخبراء في الإدارة والاقتصاد والتقنية؟

من هم رجال الأعمال؟

ومن يمتلك خبرة في الطاقة أو الموانئ أو التعليم أو التخطيط؟
فهناك رموز وكوادر حضرمية منهم من حصل على جائزة نوبل في الآداب ومنهم من قدم تجربة تنموية ناجحة ولافتة وهو ما أهله لخوض سباق الإنتخابات الرئاسية في أندونيسيا و غيرهم كثير ممن تسلموا مناصب وزارية وقيادية فضلا عن المشاريع الإستثمارية والأفكار الريادية التي أسسها وبادر بها رواد ورجال أعمال حضارم وهو مايبهرك ويشعرك بالإعجاب والفخر أنّى اتجهت في فجاج الأرض ونواحيها.

وجود مثل هذه الشبكة يمكن أن يساعد على ربط الخبرة العالمية بالاحتياجات المحلية.

خامسًا: المعرفة قبل المال

قد يكون أهم ما يستطيع المهجر تقديمه ليس المال فقط، بل المعرفة.

فالمشروع التنموي يحتاج إلى خبرات في التخطيط والإدارة والحوكمة والتكنولوجيا والتعليم.

وقد يكون نقل المعرفة والتدريب وبناء القدرات أكثر تأثيرًا على المدى الطويل من التمويل المباشر لبعض المشاريع.

ولهذا ينبغي إنشاء برامج منتظمة للتعاون بين الجامعات والمؤسسات الحضرمية ونظيراتها في الخارج.

سادسًا: الجيل الجديد من الحضارم

هناك أجيال جديدة من أبناء الحضارم ولدت ونشأت خارج حضرموت.

وهذه الأجيال قد تكون بعيدة جغرافيًا، لكنها تستطيع أن تكون قريبة معرفيًا وثقافيًا واقتصاديًا.

والتحدي هو كيف نحافظ على ارتباطها بحضرموت بطريقة إيجابية.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

التعليم والثقافة، والبرامج الصيفية، والزيارات، والمشاريع البحثية، والتبادل الأكاديمي، وتشجيع الاستثمار، والتواصل الرقمي.

فالهوية لا تعيش فقط في الذاكرة، وإنما تحتاج إلى جسور مستمرة بين الأجيال.

سابعًا: المهجر وسوق العمل العالمي

يمكن لشبكات الحضارم في الخارج أن تساعد أيضًا في ربط الشباب في حضرموت بفرص التدريب والعمل والتعلم عن بعد.

ومع تطور الاقتصاد الرقمي، لم تعد المسافة الجغرافية عائقًا كما كانت في السابق.

فالشاب الحضرمي يستطيع أن يعمل مع شركة في دولة أخرى وهو موجود في حضرموت، إذا توفرت له المهارات والإنترنت والبيئة المناسبة.

وهذا يفتح بابًا جديدًا أمام الاقتصاد الحضرمي:

اقتصاد المعرفة والعمل الرقمي.
حيث توجد حاليا تجارب ناجحة لشباب حضارم منخرطين في مشاريع تنموية وتجارية في دول الخليج بينما هم في حضرموت يباشرون أعمالهم وينجزون مهامهم بشكل منتظم بالعمل عن بعد في تجربة لافتة تستحق البناء عليها وتنظيمها.

ثامنًا: الاستثمار يحتاج إلى الثقة

لا يمكن جذب المستثمر الحضرمي من الخارج بالشعارات وحدها.

المستثمر يحتاج إلى:

قانون واضح، وقضاء موثوق، وحماية للملكية، وإجراءات سهلة، وشفافية، وأمن، وبيئة مستقرة. وثقافة مجتمعية في الداخل الحضرمي ترحب بالمغترب وتفتح له آفاق العمل و الإستثمار بعيدا عن الإستغلال والإستغفال .

ولهذا فإن ما ناقشناه في الحلقة السابعة حول بناء المؤسسات والحكم الرشيد يرتبط مباشرة بقدرة حضرموت على جذب استثمارات أبنائها في المهجر.

تاسعًا: إنشاء منصة حضرمية عالمية

يمكن التفكير في إنشاء منصة مؤسسية تجمع الكفاءات ورجال الأعمال والأكاديميين والمهنيين الحضارم حول العالم.

ولا تكون هذه المنصة حزبًا سياسيًا أو منبرا ترويجيا لفئة أو جماعة أو طريقة أو حزب وتركز على الحاضر والمستقبل بعيدا عن ملابسات التاريخ وقصص الأجداد والأمجاد وبالطبع لن تكون  جهة بديلة عن مؤسسات الداخل بقدر ما تكون جسرا ثقافيا وتنمويا يربط بين أجيال الحضارم على وجه البسيطة.

و تعرف كمساحة للتواصل والتعاون وتبادل المعرفة، وربط أصحاب الخبرات بالمشاريع التنموية.

وقد تشمل المنصة:

قاعدة بيانات للكفاءات، ومنتدى اقتصاديًا، وشبكة أكاديمية، وبرنامجًا للخبرات والاستشارات، ومنصة لفرص الاستثمار والتوظيف.

عاشرًا: المسؤولية المشتركة

مستقبل حضرموت ليس مسؤولية الداخل وحده، وليس مسؤولية المهجر وحده.

إنه مسؤولية مشتركة.

أبناء الداخل يمتلكون الأرض والمجتمع والخبرة المحلية.

وأبناء المهجر يمتلكون خبرات وشبكات وتجارب دولية متنوعة.

وعندما يلتقي الطرفان ضمن رؤية مؤسسية واضحة، يمكن أن تتحول الهجرة من ظاهرة تاريخية إلى ميزة استراتيجية.

الخلاصة

لقد كان الانتشار الحضرمي في العالم نتيجة لعوامل تاريخية واقتصادية واجتماعية.

لكن المستقبل يتيح لنا أن نجعل من هذا الانتشار مصدر قوة منظمة.

والهدف ليس إعادة الحضارم جميعًا إلى حضرموت، فهذا غير واقعي ولا مطلوب.

الهدف هو بناء جسور مستدامة بين حضرموت والعالم.

جسور للمعرفة، والاستثمار، والتعليم، والثقافة، والتكنولوجيا.

«حضرموت لا تملك ثروة تحت الأرض فقط؛ بل تملك ثروة بشرية منتشرة حول العالم، وقد تكون هذه الثروة البشرية أهم مواردها على المدى الطويل.»

وفي الحلقة القادمة نصل إلى المحطة الأخيرة من هذه السلسلة:

الحلقة العاشرة
خارطة الطريق

نحو مقاربة علمية للمساهمة في تشكيل مستقبل حضرموت

من الرؤية إلى المشروع… ومن المشروع إلى المستقبل.

إغلاق