كثيرون حول السلطة.. قليلون حول الوطن
بقلم/ عوض باشعيوث
الخميس/3سبتمبر2026م
ليست المسافة بين الإنسان الذي يقف حول السلطة والإنسان الذي يقف حول الوطن مسافة مكان، وإنما هي مسافة في القيم والوعي والمصلحة والضمير. فكثيرون يقتربون من السلطة لأنها تمنحهم النفوذ والجاه والمكاسب، بينما يقترب آخرون من الوطن لأنه يمثل بالنسبة إليهم مسؤولية وانتماءً وحقاً للأجيال. فى
فما الذي يجعل الإنسان يسلك أحد الطريقين؟
لا يمكن تفسير ذلك بعامل واحد. فالإنسان كائن معقد، تتداخل في سلوكه عوامل نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وتربوية. وقد يكون حب السلطة والنفوذ جزءاً من نزعة بشرية قديمة، لكن القول بأنها صفة وراثية تنتقل من الآباء إلى الأبناء يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالذي ينتقل في الغالب ليس جيناً للسلطة، بل منظومة من القيم والعادات والتصورات التي تتشكل داخل المجتمع.
وتأتي المصلحة في مقدمة العوامل التي تكشف هذا المفترق. فالسلطة في بعض البيئات لا تمنح القرار فقط، بل تمنح معها المال والامتياز والحماية والمكانة الاجتماعية. وهنا يتحول بعض الناس من مواطنين إلى باحثين عن موقع بالقرب من مركز القوة، فتغدو علاقتهم بالسلطة أقوى من علاقتهم بالمبدأ.
لكن المشكلة لا تكمن في أن يكون للإنسان مصلحة، فهذا جزء من الطبيعة البشرية، وإنما في أن تتحول المصلحة الخاصة إلى معيار وحيد، فيصبح الوطن وسيلة، والمبدأ شعاراً، والناس مجرد جمهور مطلوب منه التصفيق.
كيف نعرف الذين حول السلطة والذين حول الوطن؟
المعيار الحقيقي ليس الكلام، وإنما الموقف عندما تتعارض المصلحة مع المبدأ.
الذي حول السلطة يسأل: ماذا سأحصل؟ ومن صاحب القرار؟ وأين موقعي؟
أما الذي حول الوطن فيسأل: ماذا يحتاج الناس؟ وما الذي يحفظ كرامة المجتمع ومستقبل البلاد؟
الأول يتغير بتغير ميزان القوة، فإذا انتقلت السلطة انتقل معها.
والثاني قد يختلف مع السلطة دون أن يختلف مع وطنه.
الذي حول السلطة يكثر حضوره عندما تكون السلطة قوية، ويختفي عندما تصبح المسؤولية مكلفة. أما الذي حول الوطن فقد يكون صوته ضعيفاً وموقعه بعيداً، لكنه يظهر عندما يحتاج الناس إلى من يقول الحقيقة.
ومن هنا يمكن القول إن اختبار الإنسان الحقيقي لا يكون في زمن الرخاء السياسي، وإنما في لحظة الاختيار الصعب: عندما يصبح الوقوف مع الحق مكلفاً، والوقوف مع السلطة مربحاً.
فالوطن لا يحتاج إلى كثيرين يتزاحمون حول أبواب السلطة، وإنما يحتاج إلى مواطنين يجعلون السلطة في خدمة الوطن، لا الوطن في خدمة السلطة.
والتاريخ، مهما طال به الزمن، يمتلك ذاكرة أكثر صبراً من ذاكرة البشر. قد ينسى أسماء الذين ازدحموا حول الكراسي، لكنه يتذكر من وقفوا عندما كان الوقوف مكلفاً.
لذلك، فإن الفرق بين «حول السلطة» و«حول الوطن» ليس في عدد الخطب ولا في ارتفاع الشعارات، بل في لحظة الامتحان:
هل ينحاز الإنسان إلى ما يخدمه، أم إلى ما يخدم وطنه؟
هناك، تحديداً، يظهر ديدن الإنسان، ويسقط القناع.






