حضرموت أولًا: الجذر الذي يصنع المستقبل(فلسفة الأرض والإنسان والحق والتنمية في حضرموت بين ذاكرة التاريخ واستحقاقات المستقبل)تاربة ــ اليوم/ كتابات واراءبقلم: البروفيسور عبدالناصر سعيد محمد البطاطيأستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ
30 أغسطس 2026م
ليست (حضرموت أولًا) شعارًا عاطفيًا عابرًا، ولا صيغة سياسية تُرفع في لحظة ثم تُطوى بانتهاء الظرف؛ إنها، في معناها الأعمق، فلسفة في ترتيب الأولويات، ومبدأ أخلاقي وسياسي وحضاري يضع الإنسان والأرض والحق والمصلحة والمستقبل في مركز التفكير. فكل مجتمع رشيد يبدأ من ذاته، يعرف موارده، ويحمي حقوقه، ويصون هويته، ويبني مؤسساته، ثم ينفتح على محيطه والعالم. ولذلك فإن حضرموت أولًا لا تعني حضرموت ضد أحد، بل تعني أن تكون حضرموت واعية بذاتها، واثقة بجذورها، واضحة في مصالحها، وقادرة على الإسهام في محيطها من موقع القوة والاستقرار.
وحضرموت ليست مجرد مساحة جغرافية على الخريطة، ولا وحدة إدارية تختزل في حدودها السياسية المعاصرة؛ إنها تكوين تاريخي وحضاري وإنساني تشكل عبر قرون من التفاعل بين الأرض والإنسان والتجارة والهجرة والمعرفة والثقافة. فيها الوادي والساحل والصحراء والجبل والمدينة والواحة والميناء، وفيها ذاكرة اجتماعية ممتدة صنعت شخصية حضرمية عرفت كيف تجمع بين المحافظة على الأصل والانفتاح على العالم. ومن الخطأ اختزال حضرموت في النفط أو القبيلة أو الساحل أو الوادي؛ فهي أكبر من عناصرها المفردة، لأنها حصيلة تاريخ طويل من التفاعل بين الإنسان والمكان والزمن.
وتمنح الجغرافيا حضرموت ميزة لا يمكن تجاهلها في أي تفكير استراتيجي بمستقبلها؛ فهي تمتد شرقًا وجنوبًا على فضاء واسع، وتطل على بحر العرب، وتتصل طبيعيًا بالمجال الجغرافي للجزيرة العربية. وهذه الجغرافيا لم تكن يومًا مجرد حدود صامتة، بل كانت عاملًا في تشكيل الحركة التجارية والهجرات والاتصالات البشرية. ومن هنا نفهم جانبًا من الشخصية الحضرمية المنفتحة على محيطها، والقادرة تاريخيًا على بناء شبكات واسعة من العلاقات التجارية والاجتماعية والثقافية عبر الجزيرة العربية والمحيط الهندي والعالم.
ولهذا ينبغي أن يتحرر التفكير في حضرموت من ثنائية (المركز والهامش)، وأن يُنظر إليها بوصفها وحدة ذات وزن جغرافي واقتصادي وحضاري واستراتيجي، لا مجرد مساحة تنتظر القرارات من خارجها. فالأرض التي تمتلك الموارد والطاقة والساحل والموانئ والثروة البشرية والتاريخ العريق لا ينبغي أن تكون مجرد متلقٍ للسياسات، بل شريكًا أصيلًا في صياغة ما يتصل بأرضها ومواردها وأمنها ومستقبل أبنائها. إن العدالة السياسية تبدأ حين يصبح صاحب الأرض حاضرًا في القرار المتعلق بأرضه.
ومن هنا فإن حق حضرموت لا ينبغي أن يُفهم بوصفه منحة من سلطة أو امتيازًا مؤقتًا تمنحه مرحلة سياسية وتسلبه مرحلة أخرى، وإنما بوصفه حقًا أصيلًا للإنسان في أن يرى أثر أرضه وموارده في حياته. فالثروة التي لا تتحول إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وطرق ومياه وكهرباء وفرص عمل ومؤسسات حديثة ليست تنمية مكتملة، وإنما مجرد استخراج للموارد. والثروة الطبيعية لا تصبح ثروة اجتماعية وحضارية إلا حين تتحول إلى إنسان متعلم، ومؤسسة كفؤة، واقتصاد منتج، ومستقبل قابل للاستمرار.
وهنا تبرز إحدى أهم الحقائق الاستراتيجية: لا يجوز أن يكون مستقبل حضرموت مرهونًا بالنفط وحده. فالاقتصادات التي تعتمد على مورد ناضب تظل معرضة للتقلبات والأزمات، بينما تكمن القوة الحقيقية في تحويل الموارد الحالية إلى قدرة إنتاجية تستمر بعد نضوبها. ولذلك فإن السؤال الحضرمي الأكبر ليس: كم نملك من النفط؟ بل: ماذا سنصنع بالموارد التي نملكها اليوم؟ وهل نستطيع تحويل عوائدها إلى تعليم ومعرفة وتكنولوجيا وبنية تحتية واقتصاد متنوع يستطيع أن يعيش بعد النفط؟
إن أعظم ثروة في حضرموت ليست ما تحت الأرض، وإنما الإنسان الذي يستطيع أن يستخرج من الأرض ومن البحر ومن العلم ثروات جديدة. ومن هنا يجب أن تصبح التنمية البشرية قلب المشروع الحضرمي، وأن يتحول التعليم من التلقين إلى التفكير، ومن حفظ المعلومات إلى إنتاج المعرفة، ومن الشهادة إلى الكفاءة. فالجامعة التي لا تنتج بحثًا، ومختبرًا، وحلًا لمشكلة المجتمع، تظل جزءًا من الماضي؛ أما الجامعة التي تربط العلم بالطاقة والمياه والزراعة والطب والهندسة والتكنولوجيا والاقتصاد والثقافة، فإنها تصبح مؤسسة لصناعة المستقبل.
وفي عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، لا ينبغي لحضرموت أن تنتظر حتى يسبقها الآخرون بعقود. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يصبح أداة لإدارة المياه، وتحليل التربة، وتحسين الزراعة، وتطوير الخدمات الصحية، ورقمنة الوثائق، وحماية التراث، وإدارة الموانئ، وتحسين الطاقة، وتطوير التعليم، وبناء قواعد بيانات دقيقة تساعد صانع القرار على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها. وحضرموت التي تستثمر مبكرًا في المعرفة الرقمية تستطيع أن تقفز فوق مراحل من التخلف بدل أن تسير فيها ببطء.
وتملك حضرموت مقومات حقيقية لتنويع اقتصادها؛ ففي الساحل إمكانات بحرية وسمكية ومينائية، وفي الوادي إمكانات زراعية وثقافية وسياحية، وفي الأرض موارد طبيعية، وفي المدن تراث معماري وحضاري فريد، وفي المهجر رأس مال بشري وخبرات واسعة. ولذلك فإن إعادة تعريف الثروة ضرورة فكرية قبل أن تكون اقتصادية؛ فالثروة ليست فقط ما نستخرجه من باطن الأرض، وإنما ما ننتجه فوقها، وما نستثمره في البحر، وما نبتكره في المختبر، وما نراكمه في عقل الإنسان.
ويستطيع الساحل الحضرمي أن يتحول من مجال للصيد التقليدي إلى منظومة متكاملة للاقتصاد البحري، تقوم على الصناعات السمكية، والتبريد والتخزين، والاستزراع السمكي، والبحث العلمي البحري، والخدمات اللوجستية، والموانئ، والسياحة البحرية. كما يستطيع وادي حضرموت أن يصبح مختبرًا متقدمًا للزراعة في البيئات الجافة، عبر الزراعة الذكية، والطاقة الشمسية، وإعادة استخدام المياه، وتحسين تقنيات الري، واختيار المحاصيل الملائمة للمناخ. فشح الموارد ليس دائمًا قدرًا، بل يمكن أن يكون دافعًا إلى الابتكار.
وتكتسب الطاقة المتجددة أهمية استراتيجية خاصة؛ فالشمس التي تبدو موردًا طبيعيًا عابرًا يمكن أن تصبح أساسًا لتحول اقتصادي واسع. إن الطاقة المستقرة لا تعني إضاءة المنازل فحسب، وإنما تعني مستشفيات تعمل بكفاءة، ومدارس ومختبرات، ومزارع ومصانع، واتصالات، وخدمات رقمية، وفرصًا استثمارية جديدة. وهكذا تتحول الطاقة من مشكلة مزمنة إلى قاعدة للنمو، ومن عبء على التنمية إلى محرك لها.
لكن لا تنمية بلا أمن، ولا استثمار بلا استقرار، ولا مستقبل بلا مؤسسات تحمي القانون والملكية والحقوق. والأمن الحديث ليس مجرد قوة عسكرية؛ إنه أمن الإنسان والمجتمع والاقتصاد والماء والغذاء والطاقة والحدود والمعلومات. وكلما ارتفعت جودة المؤسسات، انخفضت الحاجة إلى الحلول الاستثنائية؛ لأن المجتمع المستقر لا يعتمد على القوة وحدها، وإنما ينتج الاستقرار من خلال القانون والثقة والكفاءة والعدالة.
ومن هنا تأتي ضرورة بناء مؤسسات حضرمية حديثة تقوم على الكفاءة لا المحاباة، وعلى القانون لا الأشخاص، وعلى التخطيط لا الارتجال، وعلى الشفافية لا الغموض. فأخطر ما يصيب المجتمعات الغنية بالموارد أن تتحول مؤسساتها إلى أدوات لتوزيع النفوذ بدل أن تكون أدوات لإنتاج التنمية. ولذلك فإن الإصلاح المؤسسي ليس شأنًا إداريًا ثانويًا، بل هو جوهر القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ إذ لا يمكن لمجتمع أن يحمي ثروته إذا كانت مؤسساته عاجزة عن إدارتها.
كما تحتاج حضرموت إلى عقد اجتماعي جديد يوفق بين الدولة والمجتمع، وبين القبيلة والمؤسسة، وبين التنوع والوحدة. فالقبيلة مُكَوِّن اجتماعي وتاريخي لا يمكن تجاهله، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا دائمًا عن الدولة والقانون، كما أن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تكون أداة لإلغاء المجتمع ومكوناته. والحكمة تكمن في الانتقال من صراع النفوذ إلى شراكة الاستقرار، ومن تنازع المصالح الصغيرة إلى بناء مصلحة حضرمية جامعة.
وحضرموت، في هذا المعنى، ليست الوادي وحده ولا الساحل وحده، وليست مدينة دون أخرى ولا جماعة دون أخرى؛ إنها منظومة واحدة متعددة البيئات والمصالح. إن قوة الساحل من قوة الوادي، وازدهار الوادي من ازدهار الساحل، ونجاح المدن مرتبط بنهوض الريف، وكل منطقة حضرمية لا يمكن أن تزدهر على حساب الأخرى. ولذلك فإن (حضرموت أولًا) لا ينبغي أن تنتج انقسامات داخلية، بل وعيًا بأن وحدة المصالح أعمق من اختلاف الجغرافيا.
وفي قلب هذه الرؤية تبرز العلاقة العميقة بين حضرموت والمملكة العربية السعودية، الدولة المحورية ذات الثقل العربي والإسلامي، بوصفها علاقة تتجاوز حدود الجوار الجغرافي إلى دوائر متشابكة من التاريخ والمجتمع والثقافة والتجارة والأمن والمصالح الإنسانية. فحضرموت تقع في المجال الجغرافي العربي للجزيرة العربية، والمملكة العربية السعودية تُمَثِّل امتدادًا طبيعيًا لهذا المجال، كما أن حركة الحضارم التاريخية نحو الجزيرة العربية أسهمت في تشكيل جسور بشرية وتجارية وثقافية ظلت آثارها حاضرة عبر الأجيال. ولذلك فإن النظر إلى هذه العلاقة بعين السياسة اليومية وحدها يظلم عمقها التاريخي والاجتماعي.
إن حضرموت والمملكة العربية السعودية ليستا كيانين منفصلين في الجغرافيا والمصالح، بل بينهما تداخلات عميقة تجعل أمن أحدهما ومصالحه ذات صلة مباشرة بالآخر، مع بقاء لكل طرف خصوصيته وقراره ومصالحه الوطنية. والجوار هنا ليس مجرد قرب مكاني؛ إنه مسؤولية مشتركة تفرض التعاون في الأمن والتنمية والتجارة وحركة الناس وحماية المصالح، وتستدعي عقلًا سياسيًا يتعامل مع العلاقة باعتبارها علاقة جوار استراتيجي طويلة الأمد، لا ورقة سياسية عابرة.
كما أن الذاكرة الحضرمية في الجزيرة العربية، وما راكمه الحضارم من حضور تجاري واجتماعي وثقافي وعلمي، يمثل جسرًا بشريًا بالغ الأهمية بين حضرموت والمملكة العربية السعودية. فالعلاقات بين المجتمعات لا تصنعها الاتفاقيات وحدها، وإنما تصنعها أيضًا المصاهرة والهجرة والتجارة والمعرفة والروابط الاجتماعية المتوارثة. ومن هنا فإن العلاقات الحضرمية السعودية تمتلك عمقًا اجتماعيًا لا يمكن اختزاله في المصالح الرسمية، لأنها تستند إلى شبكة بشرية وتاريخية متراكمة، وإلى فضاء عربي مشترك.
ومن المنظور الاستراتيجي، فإن استقرار حضرموت يمثل قيمة مهمة لأمن الجزيرة العربية، كما أن الاستقرار الإقليمي المحيط بها يمثل شرطًا لازدهارها. ولذلك فإن التعاون بين حضرموت والمملكة العربية السعودية في مجالات الأمن والتنمية والاستثمار وحماية الحدود ومكافحة التهريب وتعزيز التجارة وتطوير المنافذ والخدمات يمكن أن يشكل نموذجًا لعلاقة الجوار الإيجابي، والذي سيقوم عليه مستقبل مزدهر لكليهما يعزز من قوة وتماسك الجزيرة العربية.
وهنا تتجلى الحكمة السياسية في بناء علاقة راسخة ومثمرة بين حضرموت والمملكة العربية السعودية؛ علاقة تستند إلى عمق الجوار، ووحدة المصالح، والامتداد التاريخي والثقافي، وتقوم على التعاون والتكامل وتبادل المنافع. فحضرموت، بما تمتلكه من إرث تاريخي وموقع جغرافي وثروات وإمكانات بشرية، يمكن أن تكون شريكًا فاعلًا في منظومة الاستقرار والتنمية الإقليمية، وأن تعزز مع المملكة جسور التواصل والتكامل بما يخدم مصالح الطرفين ويعود بالنفع على الإنسان والمجتمع. وكلما ازداد البناء المؤسسي والتنموي في حضرموت قوةً ونضجًا، ازدادت قدرتها على الإسهام الإيجابي في علاقاتها مع المملكة ومحيطها العربي، في إطار من الثقة والتفاهم وحُسن الجوار، بما يجعل العلاقة الحضرمية السعودية نموذجًا متقدمًا للتعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والرؤية المشتركة للمستقبل.
ومن ثم ينبغي أن تكون المصلحة الحضرمية معيارًا ثابتًا في كل موقف سياسي أو تفاوضي أو تحالفي، من غير انغلاق ولا عداء. فالسؤال الصحيح لصانع القرار ليس فقط: مع من نقف؟ وإنما: ماذا نريد؟ وما الذي يحفظ أمن حضرموت؟ وما الذي يصون مواردها؟ وما الذي يضمن كرامة إنسانها؟ وما الذي يوسع خيارات أجيالها القادمة؟ وأن ننظر بعين الحكمة إلى مصلحة المواطن الحضرمي المقيم في الوطن والمغترب، فالدبلوماسية الذكية تبدأ من وضوح المصلحة، والسياسة الرشيدة تحول الجغرافيا والتاريخ إلى فرص لا إلى أعباء.
وتحتاج حضرموت كذلك إلى استراتيجية بعيدة المدى لا تتوقف عند دورة سياسية أو أزمة طارئة، بل تمتد إلى 2035م و2040م و2050م، وتضع أهدافًا قابلة للقياس في التعليم، والصحة، والطاقة، والمياه، والاقتصاد، والأمن، والتكنولوجيا، والبنية التحتية. فالمجتمعات التي لا تخطط للمستقبل يخطط الآخرون لها، والمجتمعات التي لا تحدد أولوياتها تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها أولويات الآخرين. ومن هنا فإن (حضرموت أولًا) ينبغي أن تصبح أولًا في التخطيط قبل أن تكون أولًا في الخطاب.
ويجب أن يكون الشباب في مركز هذه الاستراتيجية، لأن المجتمع الذي لا يمنح شبابه المستقبل يفقد مستقبله. المطلوب حاضنات أعمال، ومراكز ابتكار، ومختبرات تقنية، وتدريب مهني متقدم، ومنح بحثية، وربط الجامعات بسوق العمل، وفتح المجال للكفاءات الحضرمية في الداخل والمهجر. فالحضارم في الخارج ليسوا مجرد جاليات بعيدة، وإنما يمكن أن يشكلوا شبكة عالمية من المعرفة والاستثمار والخبرة ونقل التكنولوجيا؛ والمطلوب استدعاء العقول قبل الأموال، والخبرات قبل التحويلات، والشراكات قبل المساعدات.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول الهوية الحضرمية إلى فولكلور منزوع الروح؛ فالهوية ليست ملابس وأغاني ومناسبات فحسب، وإنما لغة وذاكرة وقيم وأخلاق ومعرفة وعلاقة بالأرض والتاريخ. ولذلك فإن حماية المخطوطات والوثائق، ورقمنة الأرشيف، وتوثيق اللهجات والأمثال والحكايات، وصون المدن التاريخية، وربط التراث بالتعليم والبحث العلمي والسياحة الثقافية، كلها ليست أعمالًا ترفيهية، بل استثمار في الذاكرة التي تمنح المجتمع قدرته على معرفة ذاته وصناعة مستقبله.
ويبقى الماء والصحة والعدالة في توزيع الموارد من أهم اختبارات المشروع الحضرمي. فالماء في البيئة الجافة قضية أمن واستمرار، والصحة ليست مباني ومستشفيات فقط، بل منظومة من الإنسان والمعرفة والتقنية والإدارة، والعدالة ليست مساواة حسابية بين المناطق، بل ضمانًا عادلًا للحقوق والخدمات والفرص، مقرونًا بالشفافية والمساءلة. فإذا عرف المواطن أين تذهب موارده، ورأى أثرها في حياته، نشأت الثقة؛ وإذا غابت الشفافية، تحولت الثروة من عامل قوة إلى مصدر صراع.
وفي خاتمة القول، فإن (حضرموت أولًا) ليست نهاية لعلاقة حضرموت بمحيطها المحلي أو الإقليمي، بل هي البداية الصحيحة لعلاقات أكثر توازنًا ونضجًا؛ فالجذر القوي لا يمنع الشجرة من الامتداد، وإنما يمنحها القدرة على ذلك. وحضرموت التي تعرف تاريخها، وتصون هويتها، وتحمي أرضها، وتستثمر مواردها، وتبني مؤسساتها، وتضع الإنسان في مراكز التنمية، تستطيع أن تكون شريكًا قويًا وموثوقًا في محيطها العربي، وفي مقدمة هذا المحيط المملكة العربية السعودية، التي ترتبط بحضرموت بجوار جغرافي وامتداد عربي وتداخل اجتماعي وتاريخي واقتصادي وأمني عميق، يجعل حُسن الجوار والتعاون والمصالح المشتركة خيارًا استراتيجيًا تتطلبه طبيعة الجغرافيا وحقائق التاريخ. إن حضرموت لا تحتاج إلى أن تكون ضد أحد لكي تكون مع نفسها؛ بل تحتاج إلى أن تعرف قيمتها، وتحدد مصالحها، وتبني قوتها، ثم تمد جسور التعاون إلى كل من يشاركها الأمن والمصلحة والاحترام. فالمستقبل لا يُمنح للأمم هبة، وإنما تصنعه العقول والمؤسسات والإرادة. وإذا كان التاريخ قد منح حضرموت جذورها، فإن الحاضر يضع بين يديها مسؤولية البناء، والمستقبل ينتظر منها أن تتحول من ذاكرة عظيمة إلى قوة حضارية متجددة. حضرموت أولًا؛ لا ضد أحد، ولا انعزالًا عن أحد، بل من أجل الإنسان، والأرض، والحق، والتنمية، والسلام، وحُسن الجوار، ومن أجل حضرموت قوية بذاتها، واثقة بجذورها، منفتحة على محيطها، وفي مقدمة هذا المحيط المملكة العربية السعودية؛ فكما أن الجوار قَدَرٌ جغرافي، فإن حُسن الجوار قرارٌ سياسي، والتاريخ المشترك ذاكرة، أما المستقبل المشترك فهو مسؤولية.






