اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

نريد القانون … لا سيفه

نريد القانون … لا سيفه

بقلم / عبدالله قاسم
الاحد 30 اعسطس 2026

ليس كلُّ مستقيمٍ عادلًا، ولا كلُّ انحناءٍ خطأ. فبعض الطرق تلتوي لتتجاوز عائقًا، ثم تمضي نحو وجهتها، وبعضها يستقيم حتى ينتهي عند جدار. وبين الاستقامة والانحناء مساحةٌ لا تحكمها الخطوط وحدها، بل تحكمها البصيرة التي تعرف متى يكون الثبات فضيلة، ومتى يصبح التصلّب عجزًا عن رؤية ما حوله.
جميعنا ـ عدا القليل ـ ينشد دولةً يسودها النظام والقانون. ويظهر ذلك بوضوح في تذمّر العامة من العشوائية التي طغت على كل شيء. لكن المفارقة المؤسفة أننا ننتقد العشوائية حين يقترفها غيرنا، ونغضّ الطرف عنها حين نرتكبها نحن؛ كأن المشكلة في الفوضى ليست في وجودها، بل في صاحبها.

وهنا تبدأ علاقتنا الملتبسة بالقانون. فنحن نريده حين يحمي حقوقنا، ونضيق به حين يقيّد رغباتنا. ننظر إلى القوانين في بلدنا بعين الريبة، ولنا في ذلك ما يبرّره؛ إذ كثيرًا ما تُطبّق بمكيالين. قوانيننا وأنظمتنا تبدو كأنها مقصلةٌ على المواطن البسيط وحده، وسلاحٌ يُشهر في وجه من لا نريد، بينما يجد القادرون دائمًا منفذًا من بين ثغراتها.

ولعل الأخطر من القانون السيئ هو القانون الذي يتحول إلى أداة بيد من يطبّقه؛ فالنص الواحد يمكن أن يكون حمايةً لشخص، وعقوبةً لآخر، تبعًا لمن يقف خلفه. وبعض القوانين ليست إلا مبالغةً في التعقيد والتثبيط، حتى يصبح تجاوزها أسهل من الالتزام بها، وتتحول الإجراءات التي وُضعت لتنظيم الحياة إلى أبواب للمكر والحيلة والخداع.

لكن المشكلة لا تكمن في القوانين وحدها؛ فنحن أيضًا جزءٌ من هذه المفارقة. نطالب بالقانون حين يكون في صفّنا، ونبحث عن الاستثناء حين يقف في طريقنا. نستنكر المحسوبية إذا حُرمنا منها، وقد نعدّها “تدبيرًا” حين تخدم مصالحنا. وربما كان أصعب أنواع الفساد ذلك الذي لا نراه فسادًا حين تكون لنا فيه مصلحة.

وفي بلدٍ منشطر كهذا، وفي وضعٍ مضطربٍ كالذي نعيشه، يصبح من الضروري أن تكون للقانون مساحةٌ من المرونة تقديرًا لواقع الحال، لا أن يتحول إلى نصوص متحجرة تُطبّق بمعزل عن الظروف. فالقانون وُضع لتنظيم حياة الناس وحماية مصالحهم، لا لتحويل الاستثناءات الإنسانية والظروف القاهرة إلى جرائم.

فالعدالة ليست أن نضع الجميع أمام النص نفسه فحسب، بل أن نفهم اختلاف الظروف التي يقفون فيها أمامه. وقد يكون التمسك الأعمى بحرف القانون أحيانًا أبعد عن العدالة من الاستثناء الذي يراعيها.

ثم إن هيبة القانون لا تأتي من قسوته، ولا من تطبيقه بلا تفكير؛ وإنما من عدالته. فحين يشعر الناس أن القانون لا يرى إلا الضعيف، يفقد احترامهم قبل أن يفقدوا الخوف منه.

لذلك، لسنا بحاجة إلى قانونٍ أكثر صرامة بقدر حاجتنا إلى قانونٍ أكثر عدلًا، وتطبيقٍ أكثر نزاهة، وضميرٍ لا يغيّر موقفه من القانون بتغيّر موقعه منه.

فالقانون الذي لا يرى الإنسان قد يحفظ النصّ ويهدر العدالة؛ أما القانون الذي يرى الإنسان، فيحفظ النصّ وروحه معًا.

إغلاق