اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الحلقة الرابعة : الحكم الذاتي: المفهوم والنماذج والتجارب المقارنة

الحلقة الرابعة : الحكم الذاتي: المفهوم والنماذج والتجارب المقارنة

اعداد / د. احمد باصهي

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة أهمية المقاربة العلمية، وخصوصية حضرموت التاريخية والجغرافية، ثم قضية الثروة والموارد، نصل الآن إلى محور بالغ الأهمية في النقاش حول مستقبل حضرموت:

الحكم الذاتي.

وحتى يكون النقاش جادًا وموضوعيًا، ينبغي أولًا أن نتجاوز التعامل مع المصطلح بوصفه مجرد شعار سياسي، وأن نحاول فهمه باعتباره نظامًا سياسيًا وإداريًا له نماذج وتجارب متعددة في العالم.

أولًا: ماذا يعني الحكم الذاتي؟

بصورة عامة، يشير الحكم الذاتي إلى منح إقليم أو منطقة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونه الداخلية، من خلال مؤسسات محلية منتخبة أو ممثلة للسكان، مع بقاء مجموعة من الاختصاصات السيادية في مستوى الدولة المركزية وفق الدستور والقانون.

وبالتالي فالحكم الذاتي ليس بالضرورة انفصالًا، كما أنه ليس مجرد إدارة محلية محدودة الصلاحيات.

إنه يقع ضمن مساحة واسعة من النماذج السياسية والإدارية، وتختلف تفاصيله من دولة إلى أخرى.

ولهذا لا توجد صيغة واحدة يمكن القول إنها تمثل الحكم الذاتي في جميع الحالات.

ثانيًا: لماذا يطرح الحكم الذاتي في حالة حضرموت؟

عندما يُطرح الحكم الذاتي بالنسبة لحضرموت، فإن النقاش ينبغي أن ينطلق من مجموعة من المعطيات:

– الخصوصية التاريخية والاجتماعية لحضرموت.

– اتساع رقعتها الجغرافية.

– مواردها الاقتصادية.

– موقعها البحري والاستراتيجي.

– تنوعها الاجتماعي والمناطقي.

– الحاجة إلى إدارة أكثر قربًا من المجتمع المحلي.

– تطلعات قطاعات من المجتمع إلى المشاركة في إدارة شؤونها.

لكن هذه المعطيات لا تعني تلقائيًا أن الحكم الذاتي هو الحل الوحيد.

بل تعني أنه خيار يستحق الدراسة والمقارنة والنقاش إلى جانب الخيارات الأخرى.

ثالثًا: الحكم الذاتي ليس مجرد تغيير إداري

إذا كان المقصود بالحكم الذاتي الحقيقي، فإنه يتطلب أكثر من إنشاء مجالس محلية أو نقل بعض الاختصاصات من المركز.

إنه يحتاج إلى تحديد واضح للصلاحيات والمسؤوليات.

فمن يدير التعليم؟

ومن يدير الصحة؟

ومن يتولى الشرطة والأمن المحلي؟

ومن يضع الخطط الاقتصادية؟

ومن يدير الموارد الطبيعية؟

وكيف توزع الإيرادات؟

وما علاقة الحكومة المحلية بالحكومة المركزية؟

وما هي الصلاحيات التي تبقى حصرًا لدى الدولة؟

هذه الأسئلة هي التي تحول الحكم الذاتي من شعار إلى نظام مؤسسي قابل للتطبيق.

رابعًا: العلاقة بين المركز والإقليم

من أهم عناصر أي نموذج للحكم الذاتي تحديد العلاقة بين السلطة المركزية والسلطة الإقليمية.

ويجب أن تكون هذه العلاقة قائمة على قواعد دستورية وقانونية واضحة، بحيث لا يستطيع أي طرف أن يتوسع في صلاحياته على حساب الطرف الآخر.

فالحكم الذاتي الناجح يحتاج إلى توازن بين أمرين:

وحدة الدولة من جهة، وحق الإقليم في إدارة شؤونه من جهة أخرى.

وهذا التوازن هو الذي يجعل من الضروري دراسة التجارب المختلفة بدل استنساخ تجربة واحدة.

خامسًا: ماذا نتعلم من التجارب المقارنة؟

هناك نماذج متعددة للحكم الذاتي واللامركزية في العالم، وبعضها جاء نتيجة ظروف تاريخية خاصة، وبعضها نشأ ضمن ترتيبات دستورية متدرجة.

ومن بين التجارب التي يمكن دراستها: إقليم كردستان العراق وإتحاد دولة الإمارات والنموذج الماليزي، وجزر آلاند في فنلندا، وجنوب تيرول في إيطاليا، وبعض نماذج الحكم الإقليمي في إسبانيا والمملكة المتحدة وغيرها.

لكن الهدف من دراسة هذه التجارب ليس القول إن حضرموت يجب أن تنسخ أي واحدة منها.

فلكل تجربة تاريخها وتركيبتها السكانية ومؤسساتها وظروفها السياسية.

والمطلوب هو دراسة ما نجح وما أخفق، ولماذا.

سادسًا: الحكم الذاتي والموارد

تعود هنا قضية الثروة التي تناولناها في الحلقة الثالثة.

فلا يمكن أن يكون هناك حكم ذاتي فعّال دون نظام مالي واضح.

ينبغي أن تحدد القواعد المتعلقة بالإيرادات المحلية، وعوائد الموارد الطبيعية، والضرائب، والموازنة، والتحويلات المالية، وآليات الرقابة.

والأهم من ذلك أن تكون هناك معايير واضحة للعدالة في توزيع الموارد بين مناطق حضرموت المختلفة.

فإذا انتقلت السلطة من المركز إلى الإقليم، لكن انتقلت معها المركزية إلى مدينة أو منطقة داخل حضرموت، فإن المشكلة ستتكرر بصورة أخرى.

سابعًا: الحكم الذاتي والمشاركة

الحكم الذاتي الحقيقي لا يعني فقط نقل السلطة من المركز إلى حضرموت.

بل يعني أيضًا نقل السلطة إلى المجتمع داخل حضرموت.

ولهذا ينبغي أن يقوم أي نموذج مستقبلي على انتخابات نزيهة، ومجالس تمثيلية، ومشاركة مجتمعية، وضمان حقوق المواطنين، ووجود مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة.

كما ينبغي أن يضمن تمثيل مختلف مناطق حضرموت ومكوناتها الاجتماعية بصورة عادلة.

ثامنًا: خطر إعادة إنتاج المركزية

من أكبر المخاطر التي ينبغي التنبه لها أن يتحول الحكم الذاتي إلى مركزية جديدة داخل الإقليم.

فإذا كانت السلطة المركزية هي التي تتحكم في القرار والموارد، فإن نقل هذه الصلاحيات إلى نخبة محدودة داخل حضرموت لن يحقق الهدف المنشود.

ولهذا فإن المشروع الحقيقي يجب أن يقوم على لامركزية داخل الحكم الذاتي نفسه.

أي أن تكون هناك صلاحيات واضحة للمحافظات والمديريات والمجتمعات المحلية، وفق نظام متدرج ومتوازن.

تاسعًا: الحكم الذاتي يحتاج إلى عقد اجتماعي

لا يمكن بناء نظام مستقر بمجرد إصدار قانون.

فأي نموذج للحكم الذاتي يحتاج إلى توافق مجتمعي واسع حول المبادئ الأساسية:

المشاركة، والعدالة، وسيادة القانون، والشفافية، وتكافؤ الفرص، واحترام التنوع، وحماية الحقوق.

وهذه المبادئ يمكن أن تشكل أساسًا لعقد اجتماعي جديد بين أبناء حضرموت ومؤسسات الحكم.

الخلاصة

الحكم الذاتي ليس كلمة تختصر مستقبل حضرموت، وإنما مشروع يحتاج إلى دراسة وتفاصيل وضمانات ومؤسسات.

والسؤال الحقيقي ليس فقط:

هل نريد الحكم الذاتي؟

بل:

أي حكم ذاتي نريد؟ وكيف يُبنى؟ ومن يديره؟ وكيف تُوزع السلطة والثروة؟ وما الضمانات التي تمنع الاستبداد والفساد وإعادة إنتاج المركزية؟

إذا استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح، نكون قد انتقلنا من الشعارات إلى التفكير في مشروع قابل للنقاش والبناء.

وفي الحلقة الخامسة سنناقش محورًا لا يقل أهمية:

المشاركة السياسية والمجتمعية في إدارة حضرموت

من يمثل حضرموت؟ وكيف يشارك أبناؤها في صناعة القرار؟

إغلاق