الحلقة الثالثة : الثروة والموارد في حضرموت: من مصدر للصراع إلى أساس للتنمية
اعداد / د. احمد باصهي
بعد أن تناولنا في الحلقتين السابقتين أهمية المقاربة العلمية، ثم توقفنا عند جغرافية حضرموت وتاريخها وهويتها، نصل الآن إلى أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في مستقبلها:
الثروة والموارد.
فحضرموت لا تمتلك فقط رصيدًا تاريخيًا وحضاريًا، وإنما تمتلك أيضًا موارد وإمكانات اقتصادية يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تمتلك حضرموت الثروة؟
بل:
كيف تُدار هذه الثروة؟ ولمن تعود فوائدها؟ وكيف تتحول من مورد اقتصادي إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن الحضرمي ؟
أولًا: الثروة وحدها لا تصنع التنمية
تثبت تجارب كثيرة في العالم أن وجود النفط والغاز والمعادن أو غيرها من الموارد الطبيعية لا يعني بالضرورة تحقيق الازدهار.
فالثروة قد تصبح عاملًا للتنمية عندما تتوافر المؤسسات القوية والشفافية والتخطيط الرشيد.
وقد تتحول، في المقابل، إلى مصدر للتنافس والصراع عندما تغيب العدالة ويتركز القرار الاقتصادي في يد جهة واحدة.
ولهذا فإن القضية الأساسية ليست فقط حجم الموارد، وإنما الحوكمة التي تدير هذه الموارد.
ثانيًا: الموارد و حق المواطن الحضرمي
من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب أي نقاش مستقبلي:
ما نصيب المواطن الحضرمي من الموارد الموجودة في أرضه؟
هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن الموارد ملك لمنطقة دون غيرها، بل يفتح النقاش حول مفهوم العدالة في توزيع العوائد، وتعويض المواطنين الحضارم جميعا وتوفير الخدمات والبنية التحتية وفرص العمل.
فالمواطن الذي يعيش في منطقة إنتاج الموارد يجب أن يرى أثرًا ملموسًا لهذه الموارد في حياته اليومية:
تعليم أفضل، ورعاية صحية أفضل، وطرق وخدمات، ومياه وكهرباء، وفرص عمل، وتنمية اقتصادية حقيقية.
ثالثًا: من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد متنوع
من الخطأ بناء مستقبل حضرموت بالكامل على مورد واحد.
فالموارد الطبيعية، مهما بلغت أهميتها، قابلة للتراجع أو النضوب، كما أن أسعارها مرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية.
ولهذا فإن أي استراتيجية طويلة المدى ينبغي أن تعمل على بناء اقتصاد متنوع يقوم على عدة قطاعات، منها:
الزراعة والثروة السمكية، والموانئ والنقل البحري، والسياحة، والصناعات التحويلية، والطاقة المتجددة، والخدمات، والتعليم والتدريب المهني.
وهنا يمكن أن تتحول الجغرافيا الحضرمية المتنوعة من تحدٍ إلى فرصة اقتصادية.
رابعًا: الموقع البحري فرصة استراتيجية
يمثل الساحل الحضرمي وإطلالته على بحر العرب عنصرًا مهمًا في التفكير الاقتصادي المستقبلي.
فالموقع البحري يمكن أن يفتح مجالات أمام تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية والنقل البحري والصيد والاستزراع السمكي والسياحة الساحلية.
لكن تحويل الموقع إلى ميزة اقتصادية يحتاج إلى بنية تحتية حديثة، وإدارة فعالة، واستقرار أمني، وبيئة قانونية جاذبة للاستثمار.
خامسًا: حضرموت والقطاع الخاص
لا تستطيع الحكومة وحدها بناء اقتصاد قوي.
فالقطاع الخاص، ورجال الأعمال، والمستثمرون المحليون، والحضارم في المهجر، يمكن أن يكون لهم دور كبير في بناء اقتصاد حضرمي متنوع.
وهنا تبرز أهمية إنشاء بيئة استثمارية تقوم على:
- وضوح القوانين.
- حماية الملكية.
- مكافحة الفساد.
- تسهيل الإجراءات.
- الشفافية.
- القضاء المستقل.
- تشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
فالاستثمار يبحث عن الاستقرار والثقة قبل أن يبحث عن الأرباح.
سادسًا: المهجر الحضرمي كقوة اقتصادية
تمثل الجاليات الحضرمية المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم رصيدًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا.
لكن الاستفادة من هذا الرصيد لا ينبغي أن تقتصر على التحويلات المالية.
بل يمكن بناء شراكات حقيقية مع الكفاءات ورجال الأعمال الحضارم في الخارج، من خلال إنشاء قنوات للاستثمار ونقل المعرفة والتكنولوجيا والخبرات.
وهنا يمكن أن تتحول الهجرة الحضرمية من ظاهرة تاريخية إلى شبكة اقتصادية وتنموية عالمية.
سابعًا: الشفافية شرط أساسي
إذا أردنا أن تكون الثروة أساسًا للاستقرار، فلا بد من الإجابة بوضوح عن أسئلة مثل:
أين تذهب الإيرادات؟
كم تنتج الموارد؟
كم تبلغ العوائد؟
كيف تُنفق؟
ومن يراقبها؟
وكيف يحصل المواطن على المعلومات؟
إن الشفافية ليست ترفًا سياسيًا، وإنما هي عنصر أساسي لبناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات.
ومن دون الشفافية، تظل الثروة مصدرًا للشكوك والتوتر، مهما كان حجمها.
ثامنًا: نحو صندوق للأجيال القادمة
من الأفكار التي تستحق الدراسة إنشاء صندوق سيادي أو صندوق للأجيال القادمة تُخصص له نسبة من عوائد الموارد الطبيعية.
الهدف من ذلك هو ألا تُستهلك الثروة الحالية بالكامل، بل يُستثمر جزء منها لصالح الأجيال القادمة.
وهذا يتطلب دراسة قانونية واقتصادية دقيقة، ونظامًا قويًا للحوكمة والرقابة، بحيث لا يتحول الصندوق نفسه إلى مصدر جديد للفساد أو سوء الإدارة.
الثروة والمسؤولية
إن امتلاك الموارد ليس حقًا فقط، بل مسؤولية أيضًا.
فالثروة الطبيعية ملكٌ للمجتمع بمعناه الواسع، وإدارتها ينبغي أن تقوم على المصلحة العامة، لا على مصالح الأفراد أو الجماعات.
ومن هنا فإن أي تصور للحكم الذاتي أو الإدارة المحلية في حضرموت سيكون ناقصًا إذا لم يتضمن نظامًا واضحًا لإدارة الموارد وتوزيع عوائدها والرقابة عليها.
الخلاصة
حضرموت لا تحتاج فقط إلى استخراج مواردها، بل تحتاج إلى إدارة ثروتها بعقل اقتصادي طويل المدى.
والسؤال الذي ينبغي أن يرافقنا في كل نقاش مستقبلي هو:
كيف نحول الثروة من مصدر للتنافس على السلطة إلى أداة لبناء الإنسان والمؤسسات والتنمية؟
فالثروة التي لا تتحول إلى تعليم وصحة وفرص عمل وبنية تحتية واقتصاد منتج، تبقى مجرد أرقام في التقارير.
أما الثروة التي تُدار بشفافية وعدالة واستدامة، فيمكن أن تصبح أساسًا لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.
وفي الحلقة الرابعة ننتقل إ لى مبحث أساسي من هذه الدراسة :
الحكم الذاتي: المفهوم، والنماذج، والتجارب المقارنة






