الحلقة الثانية : حضرموت الجغرافيا والتاريخ والهوية السياسية
اعداد / د. احمد باصهي.
إذا كانت الحلقة الأولى قد انطلقت من سؤال: لماذا نحتاج إلى مقاربة علمية لمستقبل حضرموت؟ فإن الحلقة الثانية تنتقل إلى سؤال أكثر تأسيسًا:
ما هي حضرموت التي نتحدث عن مستقبلها؟
فلا يمكن بناء تصور للمستقبل من دون فهم المكان، والتاريخ، والمجتمع، والهوية التي تشكلت عبر قرون طويلة.
أولًا: الجغرافيا ليست مجرد حدود
تمتد حضرموت في مساحة واسعة ومتنوعة، تجمع بين السواحل والسهول والوديان والهضاب والصحراء، وهو تنوع جغرافي انعكس على أنماط الاستقرار والنشاط الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بل وحتى على طبائع وأمزجة السكان .
وقد أسهم هذا التنوع في نشوء مراكز حضرية وريفية متباينة، لكل منها خصوصيتها، مع وجود روابط تاريخية واجتماعية وثقافية جمعت أجزاء حضرموت المختلفة.
ومن هنا فإن التعامل مع حضرموت باعتبارها وحدة متجانسة تمامًا قد لا يعكس كل تعقيدات واقعها، كما أن النظر إليها باعتبارها مجرد مناطق متفرقة يتجاهل الروابط التي صنعت شخصيتها التاريخية.
والتحدي الحقيقي هو كيف نحول هذا التنوع إلى مصدر قوة وتكامل، بدل أن يتحول إلى عامل للتنافس والانقسام؟
ثانيًا: التاريخ بوصفه مصدرًا لفهم الحاضر
حضرموت من المناطق التي تمتلك تاريخًا طويلًا ومؤثرًا في الجزيرة العربية يتصف بالعمق والتنوع في الأحداث والمشاهد والمآلات ، إلّا أنه لا ينبغي لنا الوقوع تحت وطأة حمولة التاريخ الثقيلة كلما أردنا النظر إلى الأفق البعيد والعبور إلى المستقبل بل نستفيد من دروس التاريخ وعِبَره و نحن نستبصر ليومنا ونخطط لغدنا الآتي المشرق باذن الله تعالى .
وقد ارتبط تاريخها بالتجارة البحرية والبرية، والزراعة، والموانئ، والمدن التاريخية، وشبكات التواصل مع مناطق مختلفة من العالم.
وكانت الهجرة الحضرمية واحدة من أبرز الظواهر التي ساهمت في تشكيل علاقات حضرموت بالعالم الخارجي، خصوصًا في جنوب وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا وغيرها من المناطق.
ولذلك فإن الهوية الحضرمية لم تتشكل داخل حدود جغرافية ضيقة، بل تطورت من خلال تفاعل مستمر بين المكان والهجرة والتجارة والثقافة والعلم.
وهذه الخبرة التاريخية يمكن أن تكون اليوم عنصرًا مهمًا في بناء علاقات اقتصادية وثقافية وتنموية مع الحضارم في المهجر.
ثالثًا: الهوية الحضرمية
الهوية ليست مجرد شعار يُرفع، وإنما هي تراكم تاريخي واجتماعي وثقافي.
وفي الحالة الحضرمية، نجد عناصر متعددة أسهمت في تشكيل هذه الهوية: اللغة والثقافة، العادات والتقاليد، التاريخ المشترك، الروابط الاجتماعية، الذاكرة الجماعية، والانفتاح التاريخي على العالم.
لكن الحفاظ على الهوية لا يعني الانغلاق على الذات فالإطلالة الحضرميّة على العالم كما يدل تاريخها، تميزت في جانب مهم منها بالانفتاح والتواصل والتفاعل مع الآخرين والوسطية في الفهم والإعتدال في السلوك.
ومن هنا يمكن النظر إلى الهوية الحضرمية باعتبارها هوية قادرة على الجمع بين الاعتزاز بالخصوصية والانفتاح على المحيط.
رابعًا: من الهوية الثقافية إلى المشروع السياسي
وهنا نصل إلى نقطة مهمة.
هل تكفي الهوية التاريخية والثقافية لبناء مشروع سياسي؟
الإجابة: لا.
فالهوية يمكن أن توفر أساسًا للانتماء والشعور بالمصلحة المشتركة، لكنها تحتاج إلى مؤسسات وقوانين ورؤية سياسية واقتصادية حتى تتحول إلى مشروع قابل للحياة.
ومن هنا فإن الحديث عن مستقبل حضرموت يتطلب الانتقال من الهوية بوصفها شعورًا وانتماءً، إلى الهوية بوصفها إطارًا جامعًا للمواطنة والمؤسسات والمصالح المشتركة.
خامسًا: التنوع داخل حضرموت
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها في أي مشروع مستقبلي افتراض أن المجتمع الحضرمي لابد أن يتكئ في عبوره الى المستقبل على تلك التراتبية الإجتماعية البائدة المنتمية الى جملة من الأفكار المرهقة -بفتح الهاء- بتعبير الفيلسوف الهولندي سبينوزا .
أو الى ذلك الفرز المناطقي والإجتماعي المقيت الذي يقسم المجتمع الى كانتونات ومثاوي أبعد ماتكون عن روح العصر وعن التعاقد الإجتماعي الحديث الذي ينظر الى الكل الإنساني المشترك كأصل يجب استثماره والإستفاده من تنوعه كإثراء وليس كتضاد.وترسيخ العمل بمبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات في شتى مناحي الممارسات الإدارية والحقوقية والخدمية والتنموية. فالحضارم جميعهم مواطنون لا رعايا.
وهذا التنوع لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشكلة في حد ذاته.
بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا تمت إدارته من خلال:
- المشاركة السياسية.
- العدالة في توزيع الموارد.
- التمثيل المتوازن.
- احترام الخصوصيات المحلية.
- سيادة القانون.
- الحوار المجتمعي.
فالمشروع الناجح ليس الذي يلغي الاختلاف، وإنما الذي يحوّل الاختلاف إلى تنوع داخل إطار جامع.
سادسًا: ماذا تعني هذه المعطيات للمستقبل؟
إن فهم جغرافية حضرموت وتاريخها وهويتها يقودنا إلى نتيجة أساسية:
أي نموذج مستقبلي لا يراعي خصوصية حضرموت لن يكون قادرًا على تحقيق الاستقرار والتنمية بصورة مستدامة.
وهذا لا يعني أن هناك نموذجًا واحدًا جاهزًا يمكن نسخه من تجربة أخرى.
بل يعني أن المطلوب هو دراسة البدائل المختلفة، والاستفادة من التجارب العالمية والعربية، ثم بناء نموذج يتلاءم مع واقع حضرموت واحتياجات مجتمعها وإمكاناتها.
وهنا تظهر أهمية النقاش حول الحكم الذاتي بوصفه أحد الخيارات التي تحتاج إلى دراسة معمقة، وليس مجرد شعار سياسي.
الخلاصة
حضرموت التي نريد أن نناقش مستقبلها هي حضرموت ذات الجغرافيا المتنوعة، والتاريخ العريق، والهوية المتجذرة، والمجتمع المتعدد، والامتداد العالمي.
والتحدي أمام أبناء حضرموت اليوم ليس في إثبات وجود هذه الخصوصية، وإنما في تحويلها إلى قوة لبناء المستقبل.
فالماضي يمنحنا الهوية، لكن المستقبل يحتاج إلى مشروع.
وفي الحلقة القادمة سننتقل إلى أحد أهم عناصر هذا المشروع:
الثروة والموارد في حضرموت: هل يمكن أن تكون أساسًا للتنمية أم سببًا للصراع؟






