المحسوبية على حساب الكفاءات
بقلم | أنور عبد الله با شعيوث
الاثنين 24 اغسطس 2026
منذ مدة، دار حديث بيني وبين أحد الموظفين في إحدى المؤسسات الحكومية التي قدمتُ إليها ملفي المهني، ذلك الملف الذي يحمل خلاصة مؤهلاتي الأكاديمية وسنوات خبرتي التي اكتسبتها في السنوات الماضية ،كنت أظن أن الكفاءة هي المفتاح، لكنه صدمني بحقيقة مريرة،
أخبرني أن التوظيف في تلك المؤسسة لا يخضع لمعايير الاستحقاق، بل لقانون “التوريث الوظيفي أولاً”، فالمناصب هناك تُورث كما تُورث العقارات،حين يتقاعد موظف يقوم هو باختيار من يحل محله، في سلسلة تبدأ من أعلى الهرم الإداري وصولاً إلى حراسة المبنى.
وضرب لي مثالاً حياً يؤكد قوله، فالمدير السابق، بمجرد تعيينه “وكيلاً للوادي”، قام بتنصيب خلفٍ له من دائرته الخاصة، وهكذا يجري الأمر في بقية الأقسام، إنها دائرة مغلقة ومحكمة، تضمن بقاء “الأهل والمعارف” وتُقصي أصحاب العلم والخبرة،والنتيجة؟ مكاتب تعج بموظفين يفتقرون إلى أدنى أبجديات المعرفة، وطاقات شابة مؤهلة تضيع فرصها على عتبات المحسوبية.
وما جعلني أتذكر هذه التجربة، ما كتبه الدكتور العزيز أكرم محسن السقاف، مستشار الجودة والتطوير المؤسسي، عن “التسول الوظيفي”. وأضعه هنا كما هو
التسول الوظيفي…
نسخة متطورة من التسول.
لم يعد في الطرقات…
بل داخل المكاتب، وارتدى بدلة،
وأصبح يُدار بتوصيات “محترمة”.
في بيئة تقلّ فيها الفرص،
يظهر بصيغة مألوفة
أمّن لنا وظيفة للصغير…
هنا لا يُطلب المال…
بل يُطلب منصب او وظيفة.
شيئاً فشيئاً:
تتحول الوظائف من كفاءات إلى كفالات،
ومن استحقاق إلى إحراج.
فتُملأ المؤسسات بأشخاص أكثر من حاجتها،
لا يُنجزون… بل يُجيدون الهمس،
ويُحاربون الكفء… لأنه يفضح ضعفهم.
ثم نتساءل:
لماذا يتعطل الأداء؟
الجواب بسيط:
لأننا لم نعد نُوظّف للعمل…
بل لإرضاء العلاقات.
الحل؟
أن نكف أولاً عن التوظيف بالعلاقات، ونستبدله بأنظمة شفافة قائمة على الكفاءة، ثم نربط بقاء الموظف بأدائه لا بعلاقاته… عندها فقط تبدأ المؤسسات بالتعافي.
وإلى صاحب العمل:
إذا أحرجك احدهم لتوظيف أحد…
فلا تمنحه وظيفة،
ساعده بكفالة إن شئت.
أما الوظيفة…
فمكانها للكفاءة فقط.
هل لاحظتم…
أن أكثر من يُجيد خلق المشاكل داخل المؤسسات،
هم غالباً من دخلوا إليها…
بأحد أشكال التسوّل الوظيفي؟






