اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

قرية الدهماء.. حين يصبح المطر مصدر الحياة لعشرات القرى في حضرموت

قرية الدهماء.. حين يصبح المطر مصدر الحياة لعشرات القرى في حضرموت

بقلم | عبدالعزيز فيصل باصريح

أتابع فرحة أهالي قرية الدهماء بالأمطار التي هطلت يوم الأحد 23 أغسطس، وأفكر في مفارقة مؤلمة تختصر حكاية قرى كثيرة في ارياف حضرموت.. الناس هنا لا ينتظرون مشاريع عملاقة ولا يبحثون عن رفاهية المدن، كل ما يريدونه أبسط من ذلك بكثير: ماء يصل إليهم، وطريق يسهل حياتهم، وخدمات تجعلهم قادرين على البقاء في أرضهم دون أن يضطروا إلى الرحيل.

الدهماء واحدة من عشرات القرى الريفية في حضرموت التي تعاني من غياب أبسط مقومات الحياة. قرية بقيت شامخة رغم تغير الزمن وتقلباته، وظل أهلها متمسكين بأرضهم وجبالهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام أزمات تتكرر عامًا بعد آخر. المياه توقفت عنهم لنحو عامين، والوعود كثيرة، بينما المشاريع التي ينتظرونها لا تصل بالسرعة التي تصل بها معاناتهم.

منذ أن خلقنا وترعرعنا في هذه الجبال الشاهقة، لم نرَ الكثير من المشاريع التي تستطيع أن تغير حياة الناس فعلًا. تعودنا على الوعود، وعلى الحديث عن التنمية، وعلى المشاريع التي تُعلن ثم تختفي، بينما المواطن الريفي هو من يدفع الثمن في النهاية.. ومع ذلك، لم يطلب أبناء الدهماء المستحيل. هم حريصون فقط على أن يعيشوا في بلادهم، وأن يجدوا الحد الأدنى الذي يجعل بقاءهم في قراهم ممكنًا.

ثم جاءت الأمطار.

جاءت دون موعد مع مسؤول، ودون حفل تدشين، ودون لوحة مشروع، فشربت الأشجار اليابسة، وامتلأت الحفر التي حفرها الأهالي بأيديهم، والتي يسمونها “النقاب” و”الكريف”. في لحظات قليلة تبدلت ملامح الأرض، وشعر الناس بأن الحياة عادت إلى المكان الذي أرهقه الجفاف.

هكذا هو المطر في أرياف حضرموت.

في المدن قد يكون المطر منظرًا جميلًا، وفي القرى الجبلية قد يكون حياة كاملة.

وحين نسأل الآباء والأجداد عن أفضل وأقوى مياه شهدتها هذه القرى، يأتي الجواب سريعًا ودون تردد: أمطار 2008.

لماذا يتذكرونها حتى اليوم؟

لأنها لم تكن مجرد أمطار مرت وانتهت، بل كانت في ذاكرة الناس موسماً من مواسم الحياة التي حلّت عليهم في وقت ما. يتذكرون كيف امتلأت الأرض، وكيف استفادت المواشي والزراعة، وكيف أصبحت المياه قريبة منهم بعد أن كانت بعيدة.

ولذلك، عندما نتحدث عن أرياف حضرموت، لا يمكن أن نتحدث عن الماء بمعزل عن تاريخ الإنسان الحضرمي مع المطر. فالكريف والنقاب والحفائر والمدرجات الزراعية ليست مجرد وسائل قديمة، وإنما جزء من علاقة طويلة بين الإنسان وهذه الأرض التي لم تكن سخية بالمياه الدائمة، فتعلم أهلها كيف يحفظون ما تنزله السماء.

ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن الناس في هذه القرى لم تتعلق قلوبهم بالآبار والسدود والمشاريع الحديثة وحدها، بل بقيت معلقة بالمطر نفسه. ينتظرونه، ويفرحون به، ويعتبرونه رزقًا ورحمة من الله.

لكن هنا يجب أن نتوقف قليلًا.

هل من الطبيعي أن تظل هذه القرى في حضرموت تنتظر المطر حتى تشرب؟

هل يعقل أن تتوقف المياه عن قرية لنحو عامين، ثم يصبح نزول المطر هو الحدث الذي يعيد إليها الأمل؟

أين المشاريع التي تتحدث عن تنمية الريف؟

وأين خطط حصاد مياه الأمطار والاستفادة من السيول؟

وأين السلطة المحلية والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني من القرى التي لا تستطيع الوصول إلى أبسط الخدمات؟

لا أتحدث هنا عن الدهماء وحدها.

الدهماء مجرد مثال لقرى كثيرة في حضرموت تعيش المشكلة نفسها، قرى بعيدة عن مركز المدن، لكنها قريبة جداً من قلب المحافظة وتاريخها وثقافتها وأرضها.

عندما نتحدث عن الاستثمار في حضرموت، علينا ألا نحصر الاستثمار في المدن والمناطق الساحلية. هناك حضرموت أخرى في الجبال والأودية والقرى، فيها زراعة، وتضاريس، وتراث، وطبيعة يمكن أن تكون أساساً للسياحة الريفية، وفيها أراضِ يمكن أن تعود إلى الإنتاج إذا توفرت لها المياه والطرق والخدمات.

القرية الريفية لا تحتاج دائمًا إلى مشروع بملايين الدولارات.

أحيانًا يكون خزان مياه هو المشروع الأهم.

وأحيانًا يكون إصلاح كريف أو إنشاء منشأة لحصاد مياه الأمطار أكثر فائدة من مشروع كبير لا يلامس حياة الناس.

وأحيانًا يكون إصلاح طريق جبلي هو التنمية الحقيقية التي ينتظرها المواطن.

هذه الأشياء قد تبدو صغيرة في نظر المسؤول، لكنها بالنسبة لأهل القرية تعني الكثير.

تعني أن الطفل يستطيع الذهاب إلى المدرسة.

أن المريض يستطيع الوصول إلى المستشفى.

أن المزارع يستطيع العودة إلى أرضه.

وأن الأسرة تستطيع الحصول على الماء دون أن تقضي يومها في البحث عنه.

الدهماء لا تريد أن تتخلى عن جبالها، ولا تريد أن تترك أرضها، ولا تريد أن تتحول الهجرة إلى المدن إلى قدر محتوم لأبنائها.

هي فقط تريد أن تعيش.

وهذا حق بسيط.

ومن هذا المنطلق، فإن الرسالة لا يجب أن تكون موجهة إلى السلطة المحلية وحدها، وإنما إلى المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني ورجال الأعمال والمستثمرين في حضرموت.

انظروا إلى هذه القرى.

لا تنظروا إليها باعتبارها مناطق فقيرة تحتاج إلى المساعدة فقط، بل انظروا إليها باعتبارها مناطق يمكن الاستثمار فيها وتنميتها.

حضرموت ليست المكلا وسيئون فقط.

حضرموت أيضًا تلك الجبال الشاهقة، وتلك الأودية، وتلك القرى التي ما زالت تحافظ على عاداتها، وتلك الأرض التي تنتظر مشروعًا حقيقيًا يعيد إليها الحياة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :

  • متى تصبح قرى حضرموت جزءاً حقيقيًا من خطط التنمية الاقتصادية في المحافظة؟
  • متى يتحول المطر من مصدر فرحة مؤقتة إلى مورد تتم الاستفادة منه طوال العام؟
  • متى تتوقف الوعود وتبدأ المشاريع التي يلمسها المواطن بيده؟
  • ومتى ننظر إلى ريف حضرموت باعتباره فرصة للاستثمار والتنمية وليس مكانًا منسيًا خلف الجبال؟

قد يكون المطر قد أنقذ الدهماء هذا الأسبوع، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلًا عن الدولة.

المطر رحمة من الله، أما توفير الماء والخدمات وحماية الناس وتنمية قراهم فهي مسؤولية يكفلها القانون الدولي الإنساني

“خلاصة ما تحدثنا به:”

الدهماء لا ينقصها أهلها، ولا ينقصها تاريخها، ولا تنقصها الأرض ولا الجبال ولا الطبيعة.

الذي ينقصها هو أن يلتفت إليها أصحاب القرار، وأن تتحول الوعود إلى مشاريع حقيقية، وأن يصبح الماء حقًا ثابتًا وليس أمنية تنتظرها القرية من السماء.

فحين يفرح أهل قرية بالمطر لأنهم وجدوا فيه ما عجزت المشاريع عن توفيره، فهذه ليست قصة مطر فقط.

هذه قصة قرية ما زالت تنتظر أن تتذكرها الدولة وأن تأخذ العبرة من هذه الرحمة الربانية.

وحضرموت التي تملك كل هذا التنوع الطبيعي والتاريخي تستحق أن تُستثمر فيها كل قرية، وأن يُسمع صوت كل ريف، وأن تكون الجبال والأودية جزءًا من مستقبل المحافظة، لا مجرد خلفية جميلة للصور.

لأن أجمل ما في حضرموت ليس ما نراه في المدن فقط، بل ما يزال مختبئًا خلف تلك الجبال، ينتظر من يراه ويستثمره.

إغلاق