اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

المجلس التنسيقي الأعلى لحضرموت.. من جمع الصف إلى صناعة القرار والرؤية

المجلس التنسيقي الأعلى لحضرموت.. من جمع الصف إلى صناعة القرار والرؤية

قراءة في لحظة حضرمية مفصلية قبل المؤتمر التأسيسي

تاربة ــ اليوم/ كتابات واراء
بقلم: عدنان بن عفيف

23أغسطس 2026

في السياسة، لا تبدأ قيمة المؤسسات الجديدة يوم إعلانها، بل يوم تُختبر قدرتها على تحويل التعدد إلى توافق، والتوافق إلى موقف، والموقف إلى قدرة على التأثير. ولهذا فإن المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية يقف اليوم أمام لحظة تتجاوز مجرد تأسيس كيان سياسي جديد. فالمسألة لم تعد: هل تحتاج حضرموت إلى إطار جامع؟ وإنما أصبحت: هل تستطيع القوى الحضرمية تحويل هذا الإطار إلى أداة حقيقية لصناعة القرار والرؤية وحماية المصالح؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحًا مع اقتراب المؤتمر العام التأسيسي الذي أقرت اللجنة التحضيرية انعقاده في مدينة المكلا يوم 31 أغسطس 2026، بعد أسابيع من المشاورات والنزولات واللقاءات في ساحل حضرموت وواديها وصحرائها وهضبتها.
ومن هنا، فإن المجلس لم يعد مشروعًا مؤجلًا إلى المستقبل. إنه الآن أمام اختبار الحاضر.

من مايو إلى أغسطس.. المشروع ينتقل إلى مرحلة مختلفة

بدأت فكرة المجلس عبر مشاورات سبقت قرار التشكيل الرسمي، ثم جاء قرار عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي رقم (100) لسنة 2026 في الثاني من يوليو بتشكيل اللجنة التحضيرية لتأسيس المجلس.
وكان الهدف المعلن واضحًا: توحيد الصف، وتنسيق الجهود، وبناء رؤية حضرمية متوافق عليها، وجمع القوى والمكونات السياسية والمجتمعية في إطار جامع، وتعزيز حضور أبناء حضرموت في الاستحقاقات الوطنية. لكن المسار منذ ذلك التاريخ لم يتوقف عند تشكيل اللجنة. فقد عقدت اللجنة اجتماعاتها التنظيمية، ووسعت دائرة التشاور، وانتقلت من المكلا إلى سيئون، ثم إلى مختلف المديريات، وانفتحت على المجتمع المدني والمرأة والشباب ورجال الأعمال والشخصيات الاجتماعية والأكاديمية والقبلية. وفي الخامس من أغسطس، وصلت العملية إلى محطة أكثر تقدمًا عندما أقرت اللجنة المشروع السياسي وميثاق الشرف والوثائق التأسيسية تمهيدًا لرفعها إلى المؤتمر العام التأسيسي للمصادقة عليها. وهنا تحديدًا تغير السؤال. حيث لم يعد السؤال: كيف نشكل المجلس؟ بل: ماذا سيفعل المجلس بعد أن يتشكل؟

31 أغسطس.. من مرحلة التحضير إلى لحظة الامتحان

تحديد 31 أغسطس موعدًا للمؤتمر التأسيسي يعطي التجربة سقفًا زمنيًا واضحًا، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات. فالمؤتمر لن يكون مجرد مناسبة احتفالية لإعلان ولادة مؤسسة جديدة. إنه، في تقديري، أول اختبار سياسي حقيقي للمجلس. فنجاح المؤتمر لا يقاس بعدد الحاضرين أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرته على إنتاج ثلاثة أمور:
شرعية تمثيلية مقنعة، رؤية سياسية واضحة، وآلية عمل قادرة على الاستمرار بعد انتهاء المؤتمر.
وقد أكدت اللجنة التحضيرية أنها تعمل على تحقيق تمثيل متوازن لمختلف مناطق حضرموت وتنوعها السياسي والاجتماعي، كما شكلت لجنة للتواصل مع شخصيات حضرمية في الداخل والخارج لتقريب وجهات النظر وتوسيع دائرة التوافق. وهذه خطوة مهمة؛ لأن أي مؤسسة تدعي تمثيل مساحة اجتماعية واسعة تحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر المختلفون بأنها تتسع لهم.

حضرموت الواحدة.. شرط لا شعار

أحد أهم عناصر القوة في المسار الحالي أن المشاورات لم تبقَ محصورة في المكلا. لقد وصلت إلى سيئون ومديريات الوادي والصحراء، ثم شملت الهضبة والساحل، وامتدت إلى الشحر وغيرها من المديريات بمختلف مناطق وجهات حضرموت، مع مشاركة شخصيات سياسية ومجتمعية وأكاديمية وقبلية واقتصادية ونسوية وشبابية. وهذه النقطة بالذات تستحق أن تتحول من ممارسة تحضيرية إلى قاعدة مؤسسية دائمة. فحضرموت ليست مدينة واحدة. وليست الساحل وحده. وليست الوادي وحده. وليست القبيلة أو الحزب أو النخبة أو السلطة المحلية وحدها. حضرموت فسيفساء واسعة من الجغرافيا والمجتمع والمصالح والتاريخ والتجارب السياسية. ولهذا فإن أي مشروع حضرمي جامع لن يستطيع النجاح إلا إذا جعل من التوازن بين الساحل والوادي والهضبة والصحراء، وبين المدينة والريف، وبين النخب والمجتمع، وبين الداخل والمهجر، قاعدة لصناعة القرار.

المرأة والشباب.. من الحضور الرمزي إلى الشراكة

من الإشارات الإيجابية في المرحلة الأخيرة توسع التواصل مع المرأة والشباب. فقد نظمت اللجنة لقاءً تعريفيًا لقطاع المرأة بساحل حضرموت بمشاركة نسوية من قطاعات سياسية وحزبية ومدنية ومجتمعية مختلفة، مع التأكيد على أهمية إسهام المرأة في صياغة الرؤية الحضرمية. كما جرى الانفتاح على قادة الرأي الشباب. لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من ذلك. فالشباب لا ينبغي أن يكونوا جمهورًا يُدعى إلى الفعاليات، بل جزءًا من صناعة السياسات والأفكار والأدوات. والمرأة لا ينبغي أن تكون رقمًا في قائمة التمثيل، بل شريكًا في اللجان والقرارات والبرامج. فإذا كان المجلس يريد أن يصنع مستقبل حضرموت، فلا يمكن أن يعتمد فقط على من صنعوا ماضيها السياسي.

الاقتصاد.. الوجه الآخر للقضية الحضرمية

ربما تكون هذه من أهم النقاط التي ينبغي أن تتقدم في خطاب المجلس. لقد بدأت اللقاءات التحضيرية تفتح مساحة واضحة أمام رجال المال والأعمال، وتناقش الشراكة الاستثمارية والاقتصادية وخدمة حضرموت وبناء مستقبلها. وهذا اتجاه صحيح. فحضرموت لا تستطيع بناء وزن سياسي مستدام من دون قاعدة اقتصادية وتنموية. فملف النفط ليس مجرد ملف إيرادات. وميناء الضبة ليس مجرد منشأة نفطية. والثروة السمكية والزراعية والمعدنية ليست مجرد موارد خام. والمغتربون الحضارم ليسوا مجرد تحويلات مالية. كل ذلك يمكن أن يتحول إلى منظومة قوة اقتصادية حضرمية إذا وجدت الرؤية المؤسسية القادرة على جمعها. ولهذا يجب أن تتجاوز الرؤية السياسية للمجلس عبارة “حقوق حضرموت في مواردها” إلى أسئلة أكثر تحديدًا: كيف تدار الموارد؟ كيف تُحفظ حقوق حضرموت؟ كيف ترفع كفاءة الإنفاق كيف تستقطب الاستثمارات؟ كيف تنشأ فرص العمل؟ كيف تتحول الإيرادات إلى كهرباء ومياه وصحة وتعليم وطرق؟ وكيف تصبح حضرموت شريكًا اقتصاديًا حقيقيًا بدل أن تبقى مجرد منطقة إنتاج؟

ميناء الضبة.. نموذج على أن السياسة لا تنفصل عن الاقتصاد

تفقد محافظ حضرموت سالم الخنبشي في أغسطس ميناء الضبة النفطي، واطلع على جاهزية المنشآت والأضرار التي تعرضت لها بعض مرافقها، مؤكدًا أهمية حماية المنشأة باعتبارها مرفقًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لحضرموت واليمن. وهنا تظهر واحدة من أهم وظائف أي رؤية حضرمية قادمة: أن تربط السياسة بالاقتصاد والأمن بالتنمية. فحماية المنشآت الاقتصادية، واستعادة النشاط النفطي، وتأمين الموانئ، وتحسين الكهرباء والخدمات، ليست ملفات منفصلة عن السياسة. إنها في جوهرها قضايا سياسية بامتياز لأنها تتعلق بمستقبل المجتمع وقدرته على إدارة موارده.

من “حضرموت أولًا” إلى “حضرموت تستطيع”

كان شعار “حضرموت أولًا” من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب التأسيسي. وهو شعار قابل لأن يكون قويًا جدًا إذا تحول من عنوان إلى منهج. لكن الخطوة الأهم الآن هي أن نضيف إليه معنى عمليًا: حضرموت أولًا.. وحضرموت تستطيع. تستطيع أن تقدم رؤية اقتصادية. تستطيع أن تدير مواردها بكفاءة. تستطيع أن تحمي مصالحها بالحوار. تستطيع أن تنتج نخبًا سياسية جديدة. تستطيع أن تجمع الساحل والوادي والصحراء والهضبة. تستطيع أن تكون شريكًا لا تابعًا. وتستطيع أن تدافع عن حقوقها دون أن تتحول قضيتها إلى خصومة مع محيطها. هذه هي النقلة المطلوبة من خطاب المطالبة إلى خطاب القدرة.

التحدي الذي لا ينبغي تجاهله: التمثيل

التفاؤل لا يعني تجاهل الملاحظات. وخلال الأيام الأخيرة ظهرت انتقادات علنية تتعلق بآلية تشكيل المجلس ومعايير اختيار أعضائه ومدى تمثيل بعض المكونات الحضرمية. وهذه الملاحظات، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معها، ينبغي ألا تُعامل باعتبارها مجرد ضجيج إعلامي. بل يمكن أن تتحول إلى فرصة لتحسين التجربة. فالمجلس الذي يريد أن يكون جامعًا يجب أن يمتلك آلية واضحة لاستيعاب الاعتراض. ليس مطلوبًا أن يتفق الجميع مع التشكيل. لكن المطلوب أن تكون قواعد المشاركة واضحة، وأن تكون أبواب الحوار مفتوحة، وأن يشعر من لم يدخل إلى المجلس في مرحلته الأولى بأن الطريق أمامه ليس مغلقًا. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الاختبار: هل يستطيع المجلس أن يستوعب النقد دون أن يتحول النقد إلى خصومة؟ إذا استطاع، فسيكون قد طبق عمليًا أول مبادئ التوافق التي ينادي بها.

التعددية ليست مشكلة.. إذا تحولت إلى آلية تفاوض

حضرموت ليست بحاجة إلى جسم جديد يقول إنه الممثل الوحيد لها. وهذا ينبغي أن يكون واضحًا. المجلس التنسيقي الأعلى، بحسب فلسفة تأسيسه، ليس بديلًا عن الأحزاب والمكونات والقبائل والمجتمع المدني، وإنما إطار لتنسيقها. ومن ثم فإن قوته لا تأتي من إضعاف الآخرين. بل من قدرته على جعلهم يجلسون حول طاولة واحدة. وهذا هو الفارق بين: مجلس يريد احتكار التمثيل، ومجلس يريد تنظيم التمثيل. الأول سيضيف انقسامًا جديدًا. أما الثاني فقد يتحول إلى قيمة سياسية حقيقية.

حضرموت والحوار الجنوبي.. المساران يتقاطعان

وهنا نصل إلى المتغير الأهم في المشهد الأوسع. فالمجلس التنسيقي الحضرمي لا يتحرك في فراغ. هناك مسار أوسع للحوار الجنوبي ترعاه المملكة العربية السعودية، بدأ منذ الدعوة إلى مؤتمر جنوبي شامل بمشاركة واسعة من الشخصيات والمكونات، ومن بينها مكونات حضرمية رئيسية. وقد طُرحت منذ مطلع العام فكرة إشراك مختلف القوى الجنوبية في صياغة رؤية مشتركة للقضية الجنوبية. وخلال أغسطس، ظهرت تأكيدات من شخصيات مشاركة في اللجنة التحضيرية للمجلس بأن مؤتمر حضرموت يمكن أن يكون محطة في طريق التكامل الجنوبي ومقدمة لمسار الحوار الجنوبي في الرياض. وهنا تصبح قيمة المجلس أكبر من حدوده المحلية. لأن السؤال لم يعد فقط: ماذا تريد حضرموت داخل حضرموت؟ بل أيضًا: كيف ستقدم حضرموت رؤيتها عندما تجلس إلى طاولة الحوار الجنوبي؟ وهذا سؤال بالغ الأهمية.

حضرموت لا ينبغي أن تدخل أي حوار بأصوات متعددة

إذا كان هناك درس سياسي واضح من السنوات الماضية، فهو أن تعدد الممثلين قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما لا توجد قواسم مشتركة واضحة. ولهذا فإن المجلس التنسيقي يمكن أن يؤدي وظيفة تاريخية: أن يساعد القوى الحضرمية على الاتفاق على حد أدنى من المصالح العليا قبل الذهاب إلى أي استحقاق جنوبي أو وطني أو إقليمي. إذ ليس المطلوب توحيد كل الآراء. ولا إلغاء الاختلاف حول شكل الدولة أو مستقبل الجنوب أو غير ذلك من الملفات الكبرى. المطلوب هو الاتفاق أولًا على ما لا ينبغي التفريط فيه:
أمن حضرموت واستقرارها، ووحدة نسيجها الاجتماعي، وحقوق أبنائها، ومصالحها الاقتصادية، وحضورها السياسي، ومشاركة أبنائها في صناعة القرار، وعدم اختزال حضرموت في تمثيل فرد أو مكون واحد. وهذا وحده يمكن أن يمنح الصوت الحضرمي قوة تفاوضية أكبر.

السعودية.. شراكة الاستقرار والحوار

لا يمكن قراءة المشهد الحضرمي بمعزل عن الدور السعودي. فالمملكة أكدت في أغسطس دعمها لأمن واستقرار اليمن، ودعمها للحكومة اليمنية ولجهود السلام التي يقودها المبعوث الأممي، في وقت تتداخل فيه الأزمة اليمنية مع تهديدات أمنية وإقليمية أوسع. كما أن المسار الجنوبي نفسه يرتبط باستضافة الرياض للحوار بين المكونات الجنوبية. وهذا يضع حضرموت أمام فرصة ومسؤولية في آن واحد. الفرصة أن تجد أمامها مساحة إقليمية داعمة للحوار والتقارب. والمسؤولية أن تدخل هذا المسار برؤية حضرمية ناضجة، لا بخطاب انفعالي ولا برسائل متناقضة. وحضرموت تاريخيًا ليست بعيدة عن المجال الخليجي، ولها امتدادات اجتماعية واقتصادية عميقة، ولذلك فإن بناء علاقة تقوم على الاستقرار والتنمية والمصالح المتبادلة يمكن أن يكون أكثر فائدة من تحويل العلاقة الإقليمية إلى مجرد ملف سياسي ظرفي.

اليمن أيضًا يتغير.. ولا يجوز لحضرموت أن تنتظر

المشهد اليمني والإقليمي لا ينتظر اكتمال المؤسسات المحلية. فالحوثيون ما زالوا يمثلون عامل تهديد للأمن الإقليمي والملاحة، فيما تؤكد السعودية دعمها للحكومة اليمنية والحل السياسي والاستقرار الإقليمي. وفي مثل هذه البيئة، تصبح حضرموت مطالبة بأن تكون أكثر تنظيمًا في التعبير عن مصالحها. لأن الفراغ لا يبقى فراغًا. وإذا لم تصنع القوى الحضرمية رؤيتها، فإن الآخرين سيصنعونها بالنيابة عنها. وإذا لم تتفق على مصالحها الأساسية، فستجد نفسها مضطرة للتفاوض حولها بأصوات متفرقة. ومن هنا تأتي أهمية المجلس.

المؤتمر التأسيسي.. ليس نهاية التأسيس

31 أغسطس ليس نهاية القصة. بل ربما يكون بدايتها الحقيقية. فالمؤتمر يجب أن يخرج بالمجلس من مرحلة “اللجنة التحضيرية” إلى مؤسسة تمتلك:

– نظامًا واضحًا لاتخاذ القرار.

– آليات معلنة للتمثيل.

– قواعد لإدارة الخلاف.

– ميثاق شرف ملزمًا أخلاقيًا وسياسيًا.

– رؤية سياسية حضرمية.

– برنامج عمل محدد.

– أدوات للتواصل مع المجتمع.

– آلية لمراجعة الأداء والمساءلة.

– مساحات حقيقية للشباب والمرأة.

– قنوات منتظمة مع رجال الأعمال والمغتربين.

– قدرة على التواصل مع الأطراف الوطنية والإقليمية.

وإذا كان المؤتمر سيصادق على المشروع السياسي وميثاق الشرف والوثائق التأسيسية التي أعدتها اللجنة، فإن القيمة الحقيقية ستظهر لاحقًا في كيفية تطبيق هذه الوثائق. فأفضل الوثائق السياسية لا تساوي شيئًا إذا بقيت في الأدراج.

المطلوب بعد 31 أغسطس: برنامج المائة يوم

ولعل من أكثر الأفكار التي يمكن أن تجعل المجلس مختلفًا أن يبدأ بعد المؤتمر مباشرة ببرنامج عمل واضح لأول مائة يوم. برنامج لا يتحدث فقط عن القضايا الكبرى، بل يحدد الأولويات. الكهرباء، المياه، النفط، الموانئ، الاستثمار، الوظائف، الأمن، التعليم، الصحة، الطرق، الشباب، المرأة، المغتربون. العلاقة مع الحكومة، والحوار مع مختلف المكونات. عندها فقط يستطيع المواطن أن يرى الفرق بين مؤسسة سياسية تتحدث باسمه، ومؤسسة سياسية تعمل من أجله.

من جمع الصف إلى صناعة الرؤية

في بداية المشروع كان السؤال الأساسي هو: كيف نجمع القوى الحضرمية؟ اليوم أصبح السؤال: كيف نجعل هذا الجمع منتجًا؟ وهذه نقلة نوعية، فالجمع في حد ذاته ليس إنجازًا دائمًا. قد تجتمع مكونات كثيرة حول طاولة واحدة ثم تغادرها كما جاءت. أما التوافق الحقيقي فهو أن تخرج تلك المكونات بقرارات يمكن الدفاع عنها معًا. وهنا تبدأ صناعة الرؤية. الرؤية الحضرمية المطلوبة ليست وثيقة إنشائية طويلة. بل يجب أن تكون واضحة ومحددة في القضايا الكبرى: ما الذي تريده حضرموت سياسيًا؟ ما الذي تريده اقتصاديًا؟ كيف ترى علاقتها بالدولة؟ كيف ترى موقعها في أي ترتيبات جنوبية قادمة؟ كيف تضمن حقوقها في الموارد؟ كيف تحمي نسيجها الاجتماعي؟ كيف تدير علاقتها بمحيطها الخليجي؟ وكيف تحول وزنها الجغرافي والاقتصادي والبشري إلى وزن سياسي مسؤول؟

قوة حضرموت في هدوئها

ربما يكون أهم ما تحتاجه المرحلة هو أن تحافظ حضرموت على طبيعتها السياسية والاجتماعية التي عُرفت بها تاريخيًا. كالحكمة، الاعتدال، التجارة، الحوار، الانفتاح. والقدرة على بناء العلاقات بدل حرقها. وهذا لا يعني التنازل عن الحقوق.بل يعني الدفاع عنها بطريقة تجعل الآخرين يرون فيها مشروعًا للاستقرار لا مصدرًا للفوضى. حضرموت تستطيع أن تكون قوية دون أن تكون صاخبة. وتستطيع أن تكون حازمة دون أن تكون عدائية. وتستطيع أن تطالب بحقوقها دون أن تغلق أبواب الحوار. وهذه ليست مثالية سياسية. بل ربما تكون أكثر الأدوات واقعية في اليمن اليوم. الفرصة التاريخية. ما يجعل اللحظة الحالية مختلفة أن حضرموت تقف أمام أكثر من مسار في الوقت نفسه: مسار إعادة ترتيب بيتها الداخلي، ومسار بناء مؤسساتها المحلية، ومسار الحوار الجنوبي. ومسار التسوية اليمنية الأوسع، ومسار إعادة تشكيل البيئة الإقليمية. وفي كل هذه المسارات، سيكون السؤال واحدًا:
هل تمتلك حضرموت رؤية واضحة ومتوافقًا عليها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن حجمها وموقعها وثقلها الاقتصادي والاجتماعي يمنحها أدوات تأثير كبيرة. أما إذا بقيت الأصوات الحضرمية متنافسة على من يتحدث باسمها، فإن جزءًا كبيرًا من هذه القوة سيضيع في الداخل.

كلمة أخيرة إلى المختلفين

ربما تكون الرسالة الأهم الآن إلى كل من لديه تحفظ أو ملاحظة أو اعتراض على المجلس:
لا تجعلوا الاختلاف سببًا لإفشال فكرة التوافق. وفي الوقت نفسه، لا تجعلوا شعار التوافق ذريعة لتجاهل الملاحظات.

المسار الصحي هو الثالث:
نختلف، ثم نتحاور، ثم نُحسّن، ثم نتفق على ما نستطيع الاتفاق عليه. وهذه هي روح السياسة. فلا المجلس معصوم من الخطأ، ولا منتقدوه يملكون وحدهم الحقيقة. والمأسسة التي تريد أن تكون جامعة يجب أن تكون قادرة على الاستماع إلى من يوافقها ومن يعترض عليها، لأن التوافق الحقيقي لا يولد من الصمت. بل يولد من إدارة الاختلاف.

حضرموت أولًا.. ثم حضرموت تستطيع

المجلس التنسيقي الأعلى أمام فرصة لا تتكرر كثيرًا. لقد بدأ من فكرة جمع الصف. ثم تحول إلى لجنة تحضيرية. ثم إلى مشاورات واسعة. ثم إلى وثائق ومشروع سياسي وميثاق شرف. ثم إلى مؤتمر تأسيسي محدد الموعد. لكن كل ذلك لا يزال مقدمة. فالنجاح الحقيقي يبدأ في اليوم التالي للمؤتمر. عندما تصبح حضرموت قادرة على التحدث بصوت سياسي أكثر وضوحًا. وعندما تستطيع مكوناتها أن تختلف دون أن تتخاصم. وعندما يصبح النفط والخدمات والاستثمار والتعليم والشباب والمرأة والأمن جزءًا من الرؤية السياسية، لا ملفات منفصلة. وعندما تدخل حضرموت أي حوار جنوبي أو وطني وهي تعرف ما تريد، وما يمكنها التفاوض حوله، وما لا يمكن التفريط فيه. وعندما يصبح المجلس جسرًا بين المكونات، لا جدارًا بينها. عندها فقط يمكن القول إن تجربة المجلس التنسيقي الأعلى نجحت في الانتقال من جمع الصف إلى صناعة الرؤية. والأهم من ذلك: من صناعة الرؤية إلى صناعة القدرة. فالمرحلة المقبلة لن تكافئ الأكثر صخبًا. ستكافئ الأكثر تنظيمًا. ولن تكون القوة في كثرة البيانات. بل في وضوح الموقف. ولن تكون قيمة التمثيل في عدد الأسماء. بل في حجم الثقة. ولن يكون الإنجاز في عقد المؤتمر. بل فيما سيأتي بعده. حضرموت لا تحتاج إلى مؤسسة جديدة تضيف اسمًا إلى المشهد. إنها تحتاج إلى مؤسسة تساعدها على أن تصبح أكثر وحدة في الاختلاف، وأكثر وضوحًا في الرؤية، وأكثر قدرة على التفاوض، وأكثر حضورًا في صناعة مستقبلها. ولهذا فإن 31 أغسطس ينبغي ألا يكون مجرد يوم لإعلان ولادة مجلس. بل ينبغي أن يكون يومًا تبدأ فيه مرحلة جديدة: حضرموت أولًا… حضرموت قادرة… وحضرموت تعرف ماذا تريد.

إغلاق