اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت تقلب الطاولة… حين تصبح الثروة سيادة لا غنيمة

حضرموت تقلب الطاولة… حين تصبح الثروة سيادة لا غنيمة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
15 اغسطس 2026

هناك حقيقة يحاول كثيرون الهروب منها: حضرموت ليست هامشًا في معادلة الصراع، بل إحدى أثقل أوراقها الاقتصادية والجغرافية. ومن يريد أمنًا واستقرارًا دائمين وهو يتعامل مع حضرموت باعتبارها خزينة مفتوحة وموردًا تابعًا للمركز، فإنه يبني استقراره فوق أرض رخوة.

لسنوات طويلة كانت المعادلة مقلوبة:
الثروة من حضرموت، والقرار من خارجها؛ النفط من أرضها، والإيرادات تغادرها؛ والتلوث والأعباء يبقيان لأهلها.

ثم يُطلب من الحضرمي أن يقبل الفتات وكأنه امتياز!

هذه المعادلة وصلت إلى نهايتها.

حوثي «الخُمس»… وشرعية «الأربعة أخماس»

الحوثي أقام جزءًا كبيرًا من خطابه ونظامه المالي والاجتماعي على مفهوم الخُمس، بينما مارست قوى أخرى، تحت عناوين الدولة والشرعية والمركز، نموذجًا أشد قسوة في نظر كثير من الحضارم: أن تخرج الثروة من أرضهم ثم يعود إليهم جزء محدود منها خدماتٍ وموازناتٍ ومنحًا.

وهكذا يصبح المشهد ساخرًا:

حوثي يريد الخُمس، وسلطة مركزية تتصرف وكأن لها الأربعة أخماس… والحضرمي صاحب الأرض والثروة ينتظر حصته!

لا.

المعادلة التي ينبغي أن تناقش اليوم تبدأ من الاتجاه المعاكس:

الأصل أن لحضرموت الحق الأول في إدارة مواردها وتحديد أولويات إنفاق عائداتها، ثم تُبحث التزاماتها تجاه أي إطار سياسي أوسع باتفاق واضح وعادل وشفاف.

فالحقوق لا تُقاس بما يتفضل به المركز، بل بما يملكه أهل الأرض من قدرة على إدارة أرضهم ومستقبل أجيالهم.

حضرموت ليست بئر نفط

اختزال حضرموت في النفط خطأ استراتيجي فادح.

حضرموت مساحة هائلة، وساحل طويل، وموانئ ومطارات وموقع بحري وجغرافي بالغ الأهمية، وثروة سمكية ومعدنية ونفطية، وامتداد بشري واقتصادي تاريخي في الخليج وشرق آسيا وشرق أفريقيا.

وفوق ذلك كله، تمتلك إنسانًا حضرميًا راكم عبر القرون خبرة استثنائية في التجارة والهجرة وبناء شبكات المال والأعمال.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كم نعطي حضرموت من نفطها؟

بل:

بأي حق يُدار مستقبل حضرموت من خارج إرادة أهلها أصلًا؟

%80؟ البداية يجب أن تكون من مبدأ الملكية والقرار

المطالبة بنسبة لا تقل عن 80% من عائدات الموارد المنتجة في حضرموت يمكن أن تكون خطوة تفاوضية مهمة، لكنها وحدها لا تكفي.

لأن القضية ليست خزينة تستلم نسبة أكبر فحسب.

القضية هي سيادة اقتصادية محلية تشمل إدارة الموارد، والرقابة على الإنتاج والتصدير، وشفافية العقود، ومعرفة الكميات الحقيقية المنتجة، والإيرادات الفعلية، وتوجيه الإنفاق، وإنشاء مؤسسات حضرمية قادرة على حماية حقوق الأجيال القادمة.

وإلا فما جدوى أن نختلف على 70% أو 80% من رقم لا يملك المواطن الحضرمي أصلًا الأدوات الكافية للتحقق منه؟

المطلوب إذن أكبر من «حصة».

المطلوب منظومة حقوق وقرار ومحاسبة.

ومن يظن أن حضرموت بحاجة إليه أكثر مما هو بحاجة إليها… فليُعد حساباته

لا «شرعية المشردين»، ولا الحوثي، ولا أي قوة أخرى تستطيع أن تصنع استقرارًا مستدامًا عبر إخضاع حضرموت أو استنزافها.

قد تُفرض ترتيبات سياسية بالقوة لبعض الوقت.

وقد تُكتب قرارات.

وقد تُوزع مناصب.

وقد تُرفع أعلام وشعارات.

لكن الجغرافيا لا تُزوّر، والثروة لا تختفي، وأهل الأرض لا يفقدون حقهم لمجرد أن سلطة ما تجاهلتهم.

ومن دون حضرموت، تتغير أوزان الاقتصاد والطاقة والموانئ والجغرافيا في أي معادلة سياسية مستقبلية.

وهذه هي الورقة التي يجب أن يدرك الحضرمي قيمتها.

لسنا بحاجة إلى الصراخ بأننا أقوياء؛ نحن بحاجة إلى تحويل عناصر القوة الموجودة فعلًا إلى مؤسسات وقرار اقتصادي وقانوني وسياسي منظم.

وهنا تحديدًا تبدأ حضرموت بقلب الطاولة.

قلب الطاولة لا يكون بالفوضى

وهذه النقطة جوهرية.

قلب الطاولة الحقيقي ليس قطع طريق ولا تخريب منشأة ولا الانتقام من الناس، فهذه ثروة حضرموت نفسها.

قلب الطاولة يكون حين يقول الحضارم بصوت مؤسسي واحد:

لن تخرج ثروة بلا حساب.
لن يُوقّع عقد بلا شفافية.
لن يُتخذ قرار استراتيجي عن حضرموت دون الحضارم.
ولن تبقى أرض تنتج الثروة فيما أهلها ينتظرون الكهرباء والماء والخدمات.

ويكون ذلك بإنشاء مؤسسات اقتصادية ورقابية حضرمية محترفة، وسجل كامل للموارد والعقود والإنتاج والإيرادات، وصندوق سيادي للأجيال، وبرلمان أو مجلس تمثيلي حقيقي، وإدارة محلية واسعة الصلاحيات للموارد، ومفاوضات سياسية تستند إلى أرقام وحقوق لا إلى الشعارات.

عندها فقط تتحول حضرموت من موضوع يتفاوض عليه الآخرون إلى طرف يفاوض الآخرين.

حضرموت ليست غنيمة حرب

هذه أهم رسالة.

الحوثي ليس وصيًا على حضرموت.

و«شرعية المشردين» ليست مالكة لحضرموت.

وأي حزب أو مجلس أو جماعة مسلحة أو نخبة سياسية لا تملك صك ملكية لأرضها وثروتها وإنسانها.

حضرموت ليست الجائزة الكبرى لمن ينتصر في صراع الآخرين.

ومن الخطأ أن ينتظر الحضارم نتيجة الصراع ثم يسألوا المنتصر: ماذا ستعطوننا؟

الأجدر أن يكون السؤال منذ الآن:

ما الذي تقرره حضرموت لنفسها؟

وهنا تنقلب الطاولة فعلًا.

فإذا كان الحوثي مشغولًا بـ«الخُمس»، وغيرُه يتعامل بعقلية «الأربعة أخماس»، فحضرموت قادرة على إسقاط لعبة الأخماس كلها، والانتقال إلى معادلة مختلفة:

الأرض لأهلها، والثروة حقهم، وإدارتها مسؤوليتهم، وما يذهب إلى غيرهم تحدده العدالة والاتفاق والمصلحة المشتركة، لا الغلبة السياسية.

من الثروة إلى القوة

الثروة التي لا يحميها قرار تتحول إلى لعنة.

والجغرافيا التي لا يدرك أهلها قيمتها تتحول إلى ممر للآخرين.

والهوية التي لا تسندها مؤسسات تبقى قصيدة جميلة.

لهذا فإن المرحلة القادمة لا تحتاج مجرد غضب حضرمي؛ بل تحتاج عقلًا حضرميًا استراتيجيًا يعرف ماذا يريد، وكم يملك، وكيف يتفاوض، وأين يضع خطوطه الحمراء.

فحضرموت لا تحتاج أن تمنحها صنعاء أو صعدة أو عدن قيمتها.

قيمتها موجودة في أرضها وبحرها وثروتها وإنسانها وموقعها.

والمطلوب فقط أن تتحول هذه القيمة من حقيقة جغرافية واقتصادية إلى إرادة سياسية ومؤسساتية منظمة.

وعندها سيكتشف الجميع الحقيقة التي تأخروا كثيرًا في فهمها:

من أراد الاستقرار، فحضرموت جزء لا يمكن تجاوزه من معادلته.
ومن أراد ثروتها دون حقوق أهلها، فقد اختار معادلة لن تدوم.
ومن ظن أن الحضارم سيبقون خزينةً للآخرين، فليستعد لليوم الذي تُقلب فيه الطاولة… بأخماسها ومشرديها وكل حساباتها القديمة.

لقد انتهى زمن السؤال:

«كم سيعطون حضرموت؟»

وبدأ زمن السؤال الأهم:

«ماذا ستقرر حضرموت؟»

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق