اليمن بين ردود الأفعال وغياب الرؤية الشاملة
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
14 اغسطس 2026
إن المهتمين بالشأن اليمني، ومن يمسكون بزمام ملفاته، سواء أكانوا في التحالف العربي أم في الهيئات والمؤسسات الدولية، لا تبدو لديهم ـ حتى الآن ـ خطة متكاملة ورؤية شاملة لاستقرار اليمن ومعالجة أزماته السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية على المدى البعيد؛ بل إنَّ كثيرا من المواقف والتدابير لا تزال تأتي ارتجالية، وكردة فعل على ما تفرزه الأحداث والظروف على أرض الواقع.
ولعل خير مثال على ذلك أنَّ ملفات كبرى ومصيرية ما تزال بلا حسم، وفي مقدمتها: قضية حضرموت، والقضية الجنوبية، وشكل الدولة القادمة، وتوزيع الثروة، والعدالة السياسية والاجتماعية، وصيغة الدستور، وبناء مؤسسات الدولة الدستورية والقانونية، ونظام الحكم ورئاسة الدولة، وغيرها من الملفات التي سترسم ملامح اليمن ومستقبل استقراره.
وما يزال يقال: «لنترك هذه القضايا إلى ما بعد استعادة مؤسسات الدولة والقضاء على الانقلاب الحوثي»! لكن من يريد حلا دائمًا ومستداما للقضية اليمنية، لا بد أن يتعامل مع جميع الملفات المصيرية بوصفها منظومة واحدة، وأن يضع لها حلولا واضحة ومتوازنة، بعيدا عن سياسة الفعل وردّ الفعل، أو الارتهان لما تفرضه الظروف الطارئة.
فاستعادة مؤسسات الدولة والقضاء على التشكيلات والمكونات المنازعة لها أمر مهم، لكن حسم الملفات الحقوقية والدستورية والسياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية لا يقل أهمية عنه، بل يجب أن تسير هذه المسارات جميعا بصورة متوازنة ومتكاملة، لا متعارضة ومتقاطعة؛ بحيث لا يهدم ملف ما يُبنى في ملفٍّ آخر.
فإذا كنا نريد حلا عادلًا وشاملًا لقضية اليمن، فينبغي أن تكون الرؤية بحجم الوطن، وأن تعالج جذور الأزمة لا أعراضها، وأن تصان حقوق جميع أبنائه ومناطقه ومكوناته. أما استمرار الجهود المبعثرة والحلول الجزئية، فلن يقود إلا إلى التعثر، وإعادة إنتاج الأزمات، والعودة في كل مرة إلى نقطة الصفر، بدلًا من البناء على ما تحقق.
إنَّ اليمن، بتعقيداته وتشابكاته، يحتاج إلى عقول واعية، ووطنية مخلصة، ورؤية بعيدة المدى؛ لا إلى عقول جامدة أو حسابات انتهازية. وبغير ذلك، ستظل المعالجة مؤقتة، وسيبقى الاستقرار حلما مؤجلا.
وفَّق الله الجميع لما فيه خير .
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






