اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يتفوّق الشمال سياسيًا على الجنوب

حين يتفوّق الشمال سياسيًا على الجنوب

بقلم / خالد باجبير
الخميس 13 اغسطس 2026

منذ وحدة 1990 تكشف التجربة اليمنية بين الجنوبيين والشماليين عن تفوق دائما في الحرب السياسية للنخب الشمالية ضد الجنوبيين. فالقوى الشمالية رغم صراعاتهم فيما بينها على مدى سنوات كانوا أكثر قدرة على إدارة السياسة، وصناعة القرار، وتسويق رؤيتها للأزمة اليمنية إقليميا ودوليا.

اليوم لا يزال الشماليون سواء في السلطة الشرعية أو في سلطة الحوثيين، يدافعون عن مصالحهم ونفوذهم سياسيا متفوقين على الجنوبيين، وكأن جوهر المشكلة اليمنية يكمن في الأراضي الجنوبية.
وهنا تكمن خطورة هذا الخطاب؛ لأنه ينقل مركز النقاش من جذور القضية الجنوبية والحروب المتعاقبة وحرب الخدمات وتفكك مؤسسات الدولة إلى سؤال آخر: لماذا الجنوبين لا يتفقون ويتفوقون سياسيا؟

ولنعد إلى بداية الحرب التي انفجرت ضد الجنوبين عام 2014 : الحوثي ليس جنوبيا، وعلي عبدالله صالح لم يكن جنوبيا، وآل الأحمر ومراكز القبيلة والعسكر والأحزاب التي تصارعت على السلطة والثروة والنفوذ لم تكن جنوبية. وجانب كبير من الصراع الذي أسقط الدولة اليمنية نشأ داخل مراكز القوة الشمالية، ثم إمتدت نيرانه إلى الجنوب تكوي مرارتها إلى يومنا هذا .

ومع ذلك ينجح الخطاب السياسي في إعادة وضع الخلاف الجنوبي في واجهة المشهد، وإظهار القوى الشمالية بأنهم مظلومين أمام الملفات الدولية .

وهنا الدرس الذي لم يستوعبه الجنوبيون جيدا:
القوى الشمالية ليست موحدة، لكنها أكثر خبرة في السياسة وأكثر قدرة على تقاطع المصالح عندما يتعلق الأمر بالجنوب، تحت أسم الدولة اليمنية وسيادتها
فقد يختلف الحوثي والمؤتمر والإصلاح والقبيلة ومراكز النفوذ في الشمال على الحكم والسلطة، لكن إختلافهم ينتهي عندما ما يتعلق بالجنوب وسيادته، خصوصا عندما تدخل الأرض والثروة والنفط والموانئ والنفوذ في المعادلة.

أما الجنوب، فرغم إمتلاكه قضية تاريخية، فإن مشكلته ليست في ضعف قضيته، بل في ضعف تحويلها إلى قوة سياسية متماسكة وموحدة. فكثيرا ما يمتلك الأرض والتضحيات والحقائق، ثم يسمح لغيره بأن يمتلك تفسير تلك الحقائق أمام العالم.
وهذه أخطر خسارة سياسية.
فالسياسة ليست بندقية فقط؛ بل إعلام ودبلوماسية ونفوذ خارجية ومراكز أبحاث وعلاقات دولية، وقدرته على الوصول إلى صانع القرار قبل الخصم.

ولهذا لا يحتاج الجنوبين إلى إلغاء إختلافاتهم، ولا إلى تحويل الصراع السياسي إلى عداوة مع أبناء الشمال، ولا إلى جعل استعادة دولة ما قبل 1990 هي الحل الوحيد لقضيتهم . ما يحتاجه هو أن يتعلم كيف يديرون إختلافاتهم بقوة السياسة، دون أن يسمح للآخرين استغلال خلافاتهم إلى سلاح سياسي ضد قضيته ومصالحه.
فيمكن الاختلاف حول الأحزاب والقيادات وشكل الإدارة، لكن الأرض والثروة والسيادة والقرار السياسي يجب أن تكون فوق صراعات المكونات.
وأبسط مثال على ذلك هو حماية حضرموت وثرواتها؛ فقد رفع كثير من الحضارم شعار الحكم الذاتي وإدارة شؤونهم بأنفسهم، لكن اليوم: ماذا تحقق من ذلك؟ ومن يملك القرار الفعلي في حضرموت الآن؟

لقد دفع الجنوب كثيرا في الميدان، وضحى كثيرا من أجل استقرار اليمن، حتى أمتدت تضحياته إلى الشمال عندما شاركت قوات جنوبية في معارك الساحل الغربي والحديدة . لكنه في المقابل أصبح ضحية لضعف إحترافيته السياسية في تحويل ما حققه ميدانيا إلى نفوذ سياسي يحمي مصالحه وقضيته.

في عالم السياسة : فمن لا يكتب قضيته، سيكتبها خصمه عنه.
ومن لا يصنع روايته، سيعيش داخل رواية صنعها الآخرون له.
ومن ينتصر على الأرض ولا يحول انتصاره إلى نفوذ سياسي، قد يكتشف أن غيره هو من جلس ليحدد معنى الإنتصار على طاولة المفاوضات المحلية والدولية.
وهذه أكثر من أي وقت مضى، هي المعركة التي يحتاج الجنوب إلى أن يتقنها.

إغلاق