من «حوار الطرشان» إلى تحالف هرمز… السعودية ترسم الطريق
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
12 اغسطس 2026
منذ أشهر وأنا أتابع في سلسلة من المقالات مسار الصراع الأمريكي–الإيراني، محاولًا قراءة ما وراء جولات التفاوض والتصعيد.
في «حوار الطرشان» (27 أبريل 2026م) قلت إن واشنطن وطهران تتفاوضان بلغتين مختلفتين، وفي «الشيطان الإيراني يكمن في التفاصيل» (25 مايو) توقفت عند الفجوة بين العناوين المعلنة وما تخفيه التفاصيل، ثم وصفت المشهد في «حوار الطرشان مستمر… وتوم وجيري في مضيق هرمز» (29 مايو) بأنه مطاردة متكررة: ضغط، تهديد، تفاوض، تراجع، ثم العودة إلى نقطة البداية.
ولخصت العبثية السياسية في عنوان آخر: «تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي»، قبل أن أعود في «حوار الطرشان… والعودة إلى المربع الأول» (8 يوليو)، ثم «من هرمز إلى خارك» (18 يوليو).
واليوم، في 12 أغسطس 2026م، تكاد تلك العناوين مجتمعة تصف المشهد.
المشكلة لم تعد إيران وأمريكا فقط
ما يحدث اليوم يتجاوز الملف النووي والعقوبات. السؤال الحقيقي أصبح:
هل يبقى أمن الخليج ومضيق هرمز رهينة للمواجهة بين واشنطن وطهران؟
إيران تنظر إلى هرمز باعتباره إحدى أهم أوراق قوتها، وأمريكا تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها خطًا استراتيجيًا لا يمكن التخلي عنه. وبين الطرفين تقف دول الخليج واقتصادات العالم أمام ممر يمكن أن تتحول أزمته خلال ساعات إلى أزمة طاقة وتجارة عالمية.
ولهذا أرى أن الوقت قد حان لتغيير السؤال.
بدلًا من: متى تتفق أمريكا وإيران؟
علينا أن نسأل:
كيف نجعل أمن المنطقة أقل اعتمادًا على اتفاقهما أو خلافهما؟
السعودية تقدم النموذج
وهنا تبرز الرؤية السعودية.
فالمملكة لم تتعامل مع البحر الأحمر باعتباره مجرد مياه تمر فيها السفن، بل باعتباره فضاءً استراتيجيًا يجب بناء منظومة لحمايته، بدءًا من مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، وصولًا إلى توسيع التعاون والتحالفات البحرية لحماية الملاحة.
والفكرة السعودية الأهم هي الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى بناء منظومة تمنع تحولها إلى كارثة.
وهذا بالضبط ما يحتاجه هرمز.
لماذا لا يكون هناك «تحالف هرمز»؟
أرى أن المنطقة بحاجة إلى تحالف دائم لأمن الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان، تقوده دول المنطقة وتشارك فيه القوى ذات المصالح المشروعة في حرية الملاحة.
ليس حلفًا للحرب على إيران، ولا نسخة جديدة من الناتو، ولا مظلة أمريكية باسم عربي.
بل تحالف لحماية الممر، لا لمحاربة دولة.
مهمته حماية الملاحة والمنشآت البحرية والطاقة والكابلات، والإنذار المبكر، وتبادل المعلومات ومواجهة الألغام والمسيّرات والزوارق غير المأهولة.
بل يجب أن يبقى الباب مفتوحًا لإيران نفسها متى التزمت بالقواعد الدولية وحرية الملاحة.
فالهدف ليس تطويق إيران، بل تطويق الفوضى.
من هرمز إلى ينبع… معادلة واحدة
سبق أن كتبت عن ينبع باعتبارها تجسيدًا لعبقرية التفكير السعودي: لا تجعل مصير صادراتك مرهونًا بممر واحد.
لكن التجربة أثبتت أيضًا أن نقل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر لا يكفي إذا أصبح البحر الأحمر نفسه مهددًا.
وهنا تكتمل الصورة:
هرمز، بحر عُمان، باب المندب، البحر الأحمر، قناة السويس، وخطوط الأنابيب ليست ملفات منفصلة؛ بل منظومة أمن اقتصادي واحدة.
ومن هنا ينبغي أن يتطور المفهوم السعودي من حماية البحر الأحمر إلى تصور أوسع لـ الأمن البحري الإقليمي المتكامل.
الخروج من «توم وجيري»
واشنطن تضغط، طهران تناور، تبدأ المفاوضات ثم تتعثر، ترتفع حرارة هرمز، تتحرك الأساطيل، تدخل الوساطات، يهدأ التصعيد… ثم نعود مرة أخرى.
تيتي تيتي… زي ما رحتي جيتي.
لكن دول المنطقة لا تستطيع أن تبني مستقبلها على انتظار الحلقة القادمة من «توم وجيري».
الاستقلال الاستراتيجي الحقيقي ليس أن تكون ضد أمريكا أو مع إيران؛ بل ألا يستطيع خلاف أمريكا وإيران أن يخنق اقتصادك ويهدد أمنك.
وهنا تكمن أهمية التجربة السعودية.
فإذا كانت المملكة تقود اليوم بناء مفهوم جماعي لأمن البحر الأحمر، فإن الخطوة الاستراتيجية التالية تستحق أن تكون:
من البحر الأحمر إلى هرمز.
تحالف إقليمي يحمي حرية الملاحة ويجعل الممرات البحرية خارج لعبة الابتزاز السياسي.
فالأمن الحقيقي لا يبدأ عندما تصل البوارج بعد الأزمة، بل عندما توجد منظومة تجعل إشعال الأزمة أصلًا مكلفًا وغير مجدٍ.
عندها فقط نخرج من «حوار الطرشان» و«توم وجيري» و«تيتي تيتي» إلى مرحلة أكثر نضجًا:
أن تصنع المنطقة أمنها، بدل أن تنتظر الآخرين ليقرروا لها شكل هذا الأمن.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






