الدولة لا تُدار بالمجالس!
تاربة ــ اليوم/ كتابات واراء
كتب /صــلاح مبارك
12أغسطس 2026
تخوض السلطات الحالية اختبارًا حقيقيًا في إدارة الشأن العام؛ اختبارًا تكشفت فيه حدود «المناورة» أمام حزمة متداخلة ومعقدة من التحديات الميدانية والسياسية والأمنية.. ففي الوقت الذي تتكرر فيه معزوفة «استعادة الدولة» و«إنهاء التمرد» في الخطابات الرسمية، يتجلى معيار النجاح الفعلي في مكان آخر تمامًا؛ وهو مدى القدرة على تصويب البوصلة والتعاطي الواقعي مع متطلبات المرحلة.
فخلال الأيام القليلة الماضية، تلقت مواقع عسكرية وبعض المنشآت المدنية في مناطق نفوذ الشرعية ضربات موجعة مرت دون رد يُذكر؛ في ظل انقسام تتسع رقعته بين قيادات يُفضل معظمها إدارة الملفات «عن بُعد» من الخارج، وبين شعب وجيش يكتويان في الداخل بمرارة الواقع.. وأمام هذا الغياب للقدوة السياسية والتنفيذية، زاد الطين بلة حال القراءات التي كشفت عن تحول في العقيدة القتالية؛ إذ بات حال كثير من الأفراد يربط البقاء في الميدان برحلة البحث عن «الحافز» لتأمين قوت يومهم، بينما ينعم صف طويل من المسؤولين بعيش رغيد مع عوائلهم في الخارج، مما يجعل طريق عودتهم إلى الوطن — أو حتى التفكير في ذلك — أمرًا مستبعدًا.
ومع هذا، فإن تحقيق أي تعافٍ حقيقي — في ظل التلكؤ أو العجز عن الحسم العسكري — يتطلب تفعيل أجهزة السلطات المحلية باعتبارها خط الدفاع الأول وعصب الإدارة المباشرة لشؤون المواطنين، بدلًا من الزج بها في تفصيل «كيانات سياسية هلامية» تعمق الارتهان للأجندات والحسابات الحزبية الضيقة، وإعادة تكريس الهيمنة والفيد، وتقويض ما تبقى من توافق ووئام مجتمعي، بالإضافة إلى تشتيت جهود هذه السلطات وهدر طاقاتها في صراعات جانبية، يعيقها عن التفرغ التام للقيام بمسؤولياتها و واجباتها الرئيسة في تقديم الخدمات الأساسية؛ وهو المعيار الوحيد الذي يُقاس به حضور الدولة أو غيابها.
إن كسب ثقة المواطن لن يتأتى عبر تفريخ المجالس الحزبية الشكلية، بل بمعالجات عملية تحقق الحد الأدنى من الاستقرار الخدمي، وتراعي أحوال الناس، وتخفف من أعبائهم المعيشية التي لم تعد خافية على أحد.. كما أن مواجهة الأزمات المتراكمة لا تتم عبر إغراق أجهزة السلطات الحكومية وإقحامها في مشاريع سياسية وطموحات حزبية ضيقة، أو قربعة وصرقعة إعلامية، بل بتبني عمل ميداني حقيقي يعيد ترتيب الأولويات، ويضع كرامة المواطن واستقرار عيشه في صدارة كل توجه وقرار.






