اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

نريد حياة لا معارك

نريد حياة لا معارك

بقلم / عبدالله قاسم
الثلاثاء 11 اغسطس 2026

في هذا العالم المزدحم بالثارات، والمثقل بالكراهية، والمفتون بالعنتريات، تبدو أمنية الإنسان العادي شديدة البساطة إلى حدّ أنها تكاد تكون تهمة: أن يصلح حاله، وأن يُترك ليعيش.
لا يريد أن ينتصر على أحد، ولا أن يهزم أحدًا، ولا أن يحمل راية ثأر قديم لا يعرف كيف بدأ، ولا أن يرث خصومة لم يخترها. يريد فقط أن يستيقظ دون خوف، وأن يجد ما يسد به حاجته، وأن يذهب أبناؤه إلى مدارسهم ويعودوا سالمين، وأن ينعم بليل هادئ لا توقظه فيه أصوات الرصاص، ولا أخبار الموت، ولا خطب جديدة تُخبره بأن عليه أن يكره شخصًا آخر.
فليس كل من طلب السلام ضعيفًا، وليس كل من رفض الثأر خائفًا؛ أحيانًا يكون الإنسان قد تعب فقط من دفع ثمن حروب لم يخترها.
العالم السياسي، في المقابل، يبدو كأنه لا يعرف هذه اللغة البسيطة.
كل شيء فيه معركة، وكل معركة تحتاج إلى عدو، وكل عدو يحتاج إلى رواية، وكل رواية تحتاج إلى ذاكرة مثقلة بالجراح. وهكذا تُستدعى الأحقاد من قبورها، وتُنفخ في رمادها الريح، ثم يُطلب من الإنسان أن يقف في الصف، وأن يهتف، وأن يصفق للمعركة التي لا يعرف لماذا بدأت، ولا متى ستنتهي، ولا ماذا سيبقى له منها حين تنتهي.
وكم من معركة انتهت بانتصار أصحابها، لكنها تركت خلفها أجيالًا كاملة تتساءل: ماذا ربحنا؟
لكن الإنسان الذي يكدح كل صباح لا يعنيه كثيرًا من انتصر في الخطاب، ولا من غلب خصمه في المناظرة، ولا من رفع صوته أكثر، ولا من امتلك القدرة على توزيع تهم الخيانة والوطنية.
يعنيه أن يصلح الخبز، والكهرباء، والماء، والطريق، والمدرسة، والمستشفى، والأمان.
يعنيه أن تتحول الدولة من فكرة تُقال في الخطب إلى شيء يشعر به في حياته اليومية.
فالناس لا يأكلون الخطب، ولا ينامون على الشعارات، ولا يدفئون أبناءهم بالانتصارات المعلنة.
ما حاجتنا إلى كل هذه العنتريات إذا كان المواطن يعود إلى بيته مثقلًا بالعجز؟ وما قيمة الانتصارات التي تُكتب بأحرف كبيرة في البيانات، إذا كان الناس يعيشون تفاصيلهم الصغيرة بأحرف من الخوف والحرمان؟
ربما آن للعالم أن يفهم أن الشعوب ليست وقودًا دائمًا للتاريخ، وأن المواطن ليس جنديًا أبديًا في معركة لا تنتهي.
هناك أجيال تعبت من أن تُطلب منها التضحية باسم المستقبل، ثم يأتي المستقبل محملًا بتضحية جديدة.
ربما كان أكثر ما يحتاجه المستقبل أحيانًا أن يكفّ الماضي عن مطالبته بمزيد من الدم.
تعب الناس من أن يُقال لهم: اصبروا، فالمعركة أهم. ثم تمر المعركة، وتأتي أخرى، ويظل الإنسان في مكانه؛ يدفن موتاه، ويحصي خسائره، ويبدأ من الصفر.
نحن لا نطلب عالمًا بلا خلافات؛ فهذا حلم لا يشبه البشر. ولا نطلب من أحد أن ينسى مظالمه أو يتنازل عن حقوقه. لكننا نريد فقط أن تتوقف السياسة عن تحويل حياة الناس إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات.
فالحق الذي يحتاج إلى خراب الإنسان كي ينتصر، يظل انتصارًا ناقصًا مهما علت رايته.
فليختلف السياسيون كما يشاؤون، وليجادلوا، وليتنافسوا، وليكتب كل طرف روايته عن الحقيقة.

أما نحن، فاتركوا لنا شيئًا من الحياة.
اتركوا لنا صباحًا لا يحمل خبرًا سيئًا. وبيتًا لا يخشى أهله الغد. وعملًا يكفي صاحبه.
وطريقًا آمنًا. ومدرسةً يتعلم فيها الأطفال بدل أن يتعلموا أسماء البنادق.
نريد وطنًا لا يطلب من أبنائه أن يموتوا كي يثبتوا أنهم يحبونه.

ليس قليلًا أن يعيش الإنسان دون أن يخاف من الغد؛ ففي بعض الأزمنة يصبح الأمان نفسه نوعًا من الرفاهية. لسنا بحاجة إلى مزيد من الأبطال الذين ينتصرون في الحكايات ويتركون الناس مهزومين في الواقع.
نريد فقط أناسًا يستطيعون أن يجعلوا الحياة أقل قسوة. ففي نهاية الأمر، قد لا يكون أعظم انتصار سياسي هو أن يهزم طرفٌ طرفًا آخر، بل أن يصل الإنسان إلى آخر النهار، فيجلس إلى أهله مطمئنًا، ويقول في سره:
الحمد لله… اليوم مرّ بسلام.

وربما كان هذا هو الانتصار الوحيد الذي لا يحتاج إلى مهزوم. وهذا، في عالمٍ أتعبته الثارات والعنتريات، ليس مطلبًا صغيرًا.

إنه كل ما نريد.

إغلاق