من يراهن على الماضي يخسر المستقبل.. لماذا كان تأسيس مجلس المستقبل الجنوبي ضرورة وطنية؟
بقلم | صادق العربي
في السياسة لا تُقاس قيمة القيادات بقدرتها على ترديد الشعارات بل بشجاعتها في اتخاذ القرار عندما تتغير موازين القوى وتتبدل معطيات المرحلة..أما الذين يصرون على إدارة الحاضر بعقلية الأمس فلا يصنعون مستقبلًا، بل يحولون أنفسهم إلى عبء على القضية التي يدّعون الدفاع عنها.
لقد فرضت المتغيرات الجنوبية والإقليمية واقعًا سياسيًا جديدًا ولم يعد مقبولًا أن تبقى القوى الوطنية أسيرة للأسماء أو الهياكل التنظيمية الجامدة بينما تتغير المنطقة بوتيرة متسارعة.. فالسياسة ليست متحفًا للتاريخ، وإنما فن قراءة المستقبل وصناعة الفرص.
من هنا، جاءت خطوة الأستاذ فادي باعوم بإعادة هيكلة وتفعيل المجلس الثوري للحراك الجنوبي ثم إطلاق مجلس المستقبل الجنوبي، باعتبارها انتقالًا سياسيًا مدروسًا يستند إلى إرث نضالي ممتد لأكثر من ربع قرن، وليس انقلابًا على ذلك الإرث كما يحاول البعض تصويره.
إن من يحاول اختزال الثورة الجنوبية في أسماء أو لافتات تنظيمية يسيء إلى الثورة أكثر مما يخدمها.. فالثورات الحقيقية لا تموت بتغيير المسميات وإنما تموت عندما تتوقف عن التجدد وعندما تتحول إلى أدوات للصراعات الشخصية وتصفية الحسابات الضيقة.
لقد كان الزعيم حسن أحمد باعوم أحد أبرز رموز الحراك الجنوبي، ورسخ مدرسة سياسية قائمة على الصمود والثبات والارتباط بقضايا الناس. .ولم يكن ذلك الإرث ملكًا لأحد، ولا يمكن احتكاره أو المتاجرة به أو استخدامه كسلاح لتخوين كل من يسعى إلى تطوير أدوات العمل السياسي.
واليوم يدرك فادي باعوم أن المرحلة تتطلب مشروعًا سياسيًا أكثر قربًا من المجتمع وأكثر قدرة على ملامسة هموم المواطن في ظل الانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات، واتساع فجوة الثقة بين الشارع والقوى السياسية..لذلك جاء مجلس المستقبل الجنوبي ليؤكد أن القضية الجنوبية ليست مجرد شعارات ترفع في المناسبات، بل مشروع وطني يحتاج إلى مؤسسات ورؤية وعمل ميداني.
أما أولئك الذين يهاجمون كل خطوة جديدة لأنهم يخشون فقدان مواقعهم أو نفوذهم، فإنهم يقدمون أوضح دليل على أن مشكلتهم ليست مع المشروع وإنما مع أي محاولة تكسر حالة الجمود التي اعتادوا عليها.
فالتاريخ لا ينتظر المترددين والشعوب لا تمنح ثقتها لمن يعيش على أمجاد الماضي دون أن يقدم حلولًا للحاضر.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يواجه أي قضية وطنية ليس خصومها فحسب.. بل أيضًا أولئك الذين يتعاملون معها باعتبارها إرثًا شخصيًا لا يجوز لأحد الاقتراب منه.
وهذه العقلية كانت ولا تزال سببًا في تعطيل كثير من المشاريع الوطنية وإهدار فرص تاريخية.
إن الجنوب اليوم بحاجة إلى خطاب يوحد ولا يفرق، ويبني ولا يهدم، ويستثمر الإرث النضالي في صناعة المستقبل، لا في اجترار الخلافات القديمة.
ومن لا يستطيع مواكبة التحولات السياسية فعليه ألا يقف حجر عثرة في طريق من يسعون إلى صناعة مرحلة جديدة.
فالمستقبل لا يصنعه المتفرجون ولا أولئك الذين يكتفون بإطلاق الاتهامات من خلف المنصات بل يصنعه أصحاب الرؤية والقرار القادرون على الجمع بين الوفاء للتاريخ والجرأة في مواجهة تحديات الغد.
وفي النهايةستبقى الحقيقة واضحة فالمشاريع الوطنية تُقاس بما تقدمه للشعب لا بما ترفعه من شعارات.. والتاريخ لا يخلّد من يصرخ أكثر.. بل من ينجز أكثر.






