حضرموت… فرصةٌ لشراكةٍ استراتيجية مع المملكة العربية السعودية
بقلم. / مزاحم باجابر
الجمعة 7 اغسطس 2026
لم تكن العلاقة بين المملكة العربية السعودية وحضرموت يومًا علاقة جوار جغرافي فحسب بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ نسجتها روابط الدين والقبيلة والتجارة والهجرة والمصالح المشتركة.
فقد كانت حضرموت على امتداد قرون بوابة الجزيرة العربية نحو بحر العرب والمحيط الهندي فيما مثلت المملكة العمق العربي والإسلامي لحضرموت وشريكها الأبرز في دعم الاستقرار والتنمية خلال العقود الأخيرة.
واليوم ومع التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي والتحديات المتزايدة التي تواجه أمن الطاقة وسلاسل الإمداد تكتسب هذه العلاقة بعدًا جديدًا يتجاوز الروابط التاريخية لتصبح فرصة لبناء شراكة استراتيجية تخدم مصالح الطرفين وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية والاستقرار في المنطقة.
لم يعد أمن الطاقة في القرن الحادي والعشرين يقاس بحجم الاحتياطيات النفطية أو القدرة على الإنتاج فقط بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدول على تنويع منافذ التصدير وضمان وصول صادراتها إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤثر في الممرات البحرية التقليدية.
وفي هذا الإطار تبرز حضرموت باعتبارها إحدى أهم الفرص الاستراتيجية التي يمكن أن تعزز الخيارات المتاحة أمام المملكة العربية السعودية.
فموقعها الجغرافي المطل على بحر العرب يمنحها ميزة استثنائية ويفتح منفذًا طبيعيًا إلى المحيط الهندي بما يتيح تصور ممر اقتصادي مستقبلي يوفر للمملكة خيارًا إضافيًا لتعزيز أمن الطاقة وحركة التجارة.
ولا تقتصر أهمية حضرموت على موقعها البحري بل تمتد إلى إمكانية إنشاء منظومة اقتصادية متكاملة تربط جنوب الجزيرة العربية بالمحيط الهندي عبر خطوط لنقل الطاقة وشبكات سكك حديدية وطرق حديثة وموانئ متطورة ومناطق لوجستية وصناعية.
مثل هذا المشروع لن يكون مجرد ممر لتصدير النفط بل منصة اقتصادية قادرة على تحفيز التجارة والاستثمار وتعزيز التكامل الاقتصادي بين المملكة وحضرموت.
لقد أثبتت الأزمات الإقليمية خلال السنوات الماضية أن الاعتماد على عدد محدود من الممرات البحرية يجعل حركة التجارة والطاقة أكثر عرضة للتقلبات.
ومن هنا فإن تنويع الخيارات الاستراتيجية لا يعني استبدال ممر بآخر وإنما بناء شبكة متكاملة من البدائل تمنح الدول مرونة أكبر في حماية مصالحها الاقتصادية واستقلالية قرارها.
وفي المقابل فإن نجاح أي رؤية من هذا النوع يتطلب أن تقوم على مبدأ الشراكة الحقيقية لا على مفهوم العبور فقط.
فحضرموت ليست أرضًا يمر عبرها مشروع بل شريك يمتلك موقعًا استراتيجيًا وإمكانات كبيرة ومن الطبيعي أن تكون التنمية المحلية وتطوير البنية التحتية وتوسيع الموانئ وإنشاء المناطق الصناعية وتوفير فرص العمل جزءًا أساسيًا من أي مشروع مستقبلي.
إن ما يجمع المملكة العربية السعودية وحضرموت ليس الجوار وحده بل التاريخ والمصالح والفرص المشتركة.
وإذا كانت المملكة تمتلك الرؤية والإمكانات فإن حضرموت تمتلك الموقع الذي يجعلها شريكًا طبيعيًا في أي تصور استراتيجي طويل المدى يهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتنويع المنافذ الاقتصادية وفتح آفاق جديدة للتجارة مع الأسواق العالمية .
إن الجغرافيا منحت حضرموت ميزة استثنائية لكن تحويل هذه الميزة إلى واقع اقتصادي واستراتيجي يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تقوم على المصالح المشتركة والثقة المتبادلة.
وعندما تلتقي الرؤية مع الجغرافيا تتحول الفرص إلى مشاريع والمشاريع إلى شراكات والشراكات إلى عوامل قوة واستقرار يستفيد منها الجميع.
ولعل هذه هي الفرصة التي تستحق أن تحظى باهتمام صناع القرار وأن تكون جزءًا من التفكير في مستقبل المنطقة خلال العقود القادمة.






