من يملك الطريق… يملك المستقبل
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
6 اغسطس 2026
قراءة في الجغرافيا الاقتصادية للشرق الأوسط… ولماذا كانت السعودية وحضرموت محور رؤيتي منذ البداية؟
كثيرون يقرأون الأحداث من خلال الأخبار، لكنني أؤمن بأن الأخبار هي النتيجة، أما البداية الحقيقية فتوجد على الخريطة.
ولهذا، فإن فهم ما يجري في الشرق الأوسط لا يبدأ من التصريحات السياسية، ولا من عناوين الصحف، بل من الجغرافيا؛ فهي التي تحدد أين تتركز المصالح، وأين تمر التجارة، وأين تتقاطع القوى الكبرى.
لقد تغير العالم.
فلم تعد الثروة تقاس فقط بحجم النفط أو الغاز أو المعادن، بل أصبحت تقاس بقدرة الدول على تأمين الطرق التي تنقل هذه الثروات إلى الأسواق العالمية.
ولهذا أصبحت الممرات البحرية، مثل مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، شرايين الاقتصاد العالمي، وأصبحت السيطرة عليها أو حمايتها قضية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها لتصبح قضية تمس الاقتصاد العالمي بأكمله.
ولهذا أقول دائمًا:
من يملك الطريق… يملك المستقبل.
عندما تتحدث الخريطة قبل السياسة
ما نشهده اليوم من تنافس دولي، ومشروعات اقتصادية عملاقة، وتحالفات جديدة، ليس سوى انعكاس لحقيقة واحدة:
إن العالم يعيد رسم خرائط التجارة أكثر مما يعيد رسم الحدود السياسية.
فكل مشروع جديد للموانئ، وكل ممر اقتصادي، وكل استثمار في الخدمات اللوجستية، يؤكد أن المستقبل سيكون للدول التي تستطيع اختصار الزمن، وتأمين حركة التجارة، وربط القارات ببعضها.
السعودية… الدولة التي قرأت المستقبل مبكرًا
من هنا يمكن فهم رؤية المملكة العربية السعودية بصورة أعمق.
فـ رؤية 2030 ليست برنامجًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروع جيو-اقتصادي يعيد تعريف موقع المملكة في العالم.
إن تطوير الموانئ، وربط البحر الأحمر بالخليج العربي، وتوسيع البنية اللوجستية، والاستثمار في النقل والصناعة، يعكس إدراكًا بأن الاقتصاد العالمي القادم سيُبنى على حركة التجارة وسلاسل الإمداد بقدر ما يُبنى على الموارد الطبيعية.
ولذلك أصبحت المملكة لاعبًا رئيسيًا في أمن الطاقة العالمي، وفي استقرار الملاحة الدولية، وفي مستقبل التجارة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
حضرموت… أكثر من مجرد ثروة
ومن هذا المنطلق، كنت دائمًا أنظر إلى حضرموت باعتبارها قيمة جغرافية قبل أن تكون قيمة اقتصادية.
فحضرموت ليست مجرد حقول نفط أو احتياطيات معدنية، بل تمتلك موقعًا استراتيجيًا على بحر العرب، يجعلها جزءًا من معادلة الأمن البحري، وحركة التجارة، وربط الموانئ الإقليمية بالمحيط الهندي.
ومن وجهة نظري، فإن أي مشروع تنموي حقيقي في حضرموت يجب أن يبدأ من استثمار موقعها، وتطوير موانئها، وتعزيز بنيتها اللوجستية، لتكون شريكًا في التنمية الإقليمية، لا مجرد منطقة لاستخراج الموارد.
مقالاتي… قراءة مبكرة للتحولات
قد يعتقد البعض أن هذا التحليل جاء نتيجة التطورات الأخيرة، لكنه في الحقيقة امتداد لرؤية طرحتها في سلسلة من المقالات خلال هذا العام.
ففي 25 مايو 2026، نشرت مقال «الشيطان الإيراني هو التفاصيل»، وأوضحت فيه أن جوهر الصراع لن يكون في البيانات السياسية، بل في التفاصيل المرتبطة بالنفوذ، والممرات، وميزان القوى.
وفي 30 يونيو 2026، كتبت «إيران بعد الحرب»، وبيّنت أن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بالمكاسب العسكرية، بل بقدرة الدول على الحفاظ على نفوذها في الممرات الاستراتيجية وتأثيرها في أسواق الطاقة.
ثم جاء مقال «السعودية… وصناعة المستقبل» في 6 يوليو 2026، لأوضح أن المملكة لا تبني اقتصادًا جديدًا فحسب، بل تبني مركزًا عالميًا للطاقة والتجارة والخدمات اللوجستية، وهو ما ينسجم مع التحولات الكبرى في الاقتصاد الدولي.
وفي 8 يوليو 2026، تناولت في مقال «حوار الطرشان» كيف أن المنطقة كانت تدور في حلقة مفرغة من التصعيد والتهدئة، بينما كانت القضايا الجوهرية المتعلقة بالجغرافيا والنفوذ الاقتصادي هي المحرك الحقيقي للأحداث.
كما خصصت في 21 يوليو 2026 تحليلًا حول نفط حضرموت، أكدت فيه أن قيمة النفط لا تنفصل عن أمن الموانئ والممرات البحرية، وأن الموقع الجغرافي قد يكون في كثير من الأحيان أهم من المورد ذاته.
وأخيرًا، في 27 يوليو 2026، نشرت مقال «بعد السماء… الأرض!»، الذي خلص إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد صراع عسكري، بل سباق لإعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي، وسلاسل الإمداد، وطرق التجارة العالمية.
واليوم، أجد أن الوقائع تسير في الاتجاه ذاته، وتؤكد أن قراءة الخريطة كانت، وما زالت، مفتاحًا لفهم ما يحدث.
الشرق الأوسط الجديد
إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة.
مرحلة تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على تأمين التجارة، وجذب الاستثمار، وربط القارات، وحماية الممرات البحرية، أكثر من قياسها بحجم ما تملكه من موارد فقط.
ولهذا، فإن المملكة العربية السعودية تمتلك فرصة تاريخية لترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا عالميًا للطاقة والخدمات اللوجستية، بينما تمتلك حضرموت من المقومات الجغرافية ما يجعلها عنصرًا مهمًا في أي رؤية مستقبلية لتعزيز أمن التجارة والتنمية، إذا توافرت لها البيئة المستقرة والاستثمار طويل الأمد.
كلمة أخيرة
كنت، وما زلت، أؤمن بأن المستقبل لن يصنعه من يملك أكبر مخزون من الثروات، بل من يملك الرؤية، ويحسن قراءة الجغرافيا، ويستثمر في الطرق التي تربط العالم ببعضه.
فالنفط قد ينضب، والمعادن قد تُستخرج، أما الموقع الجغرافي فهو الثروة التي لا يمكن نقلها من مكانها.
ولهذا، فإن من يريد أن يعرف أين سيكون مركز الثقل في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة، فليبدأ بالخريطة… لا بعناوين الأخبار.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






