هل يشعل جناح الزبيدي فتيل الصدام المسلح مع الرياض؟
بقلم/ خالد الصيعري
الاربعاء 5/اغسطس/2026
لم يعد الخلاف بين الرياض وما تبقى من هياكل المجلس الانتقالي الجنوبي محصوراً في كواليس الغرف الدبلوماسية المغلقة أو بيانات الشجب الخجولة لقد انتقل إلى الهواء الطلق وبسقف زمني وسياسي لم يجرؤ أحد على بلوغه منذ قرارات إعادة الهيكلة والتفكيك.
تصريحات عمرو البيض المدوية لمجلة «واشنطن إكزامينر» الأمريكية لم تكن مجرد زوبعة في فنجان إعلامي بل كانت بمثابة إعلان وفاة رسمية لآخر خيوط الثقة بين الجانبين والتلويح الأكثر صراحة حتى اليوم بالانزلاق نحو “تمرد مسلح” وتشكيلات عسكرية قد تخرج عن طاعة السياسات السعودية في الجنوب.
السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: لماذا الآن بالتحديد؟ ولماذا يختار جناح الزبيدي رفع السقف إلى درجات الاحتراق؟
الواقع أن الإجابة تكمن في شعور هذا الجناح بأنه يتعرض لعملية “اقتلاع ممنهج” تحت غطاء إعادة التموضع العسكري والأمني الذي تقوده الرياض ومجلس القيادة الرئاسي لملء الفراغ عقب الأحداث الأخيرة عندما يعلن البيض صراحة أن حالة العلاقة وصلت إلى قطيعة تامة وأن قادة عسكريين جنوبيين أصيبوا بالإحباط جراء التعليمات السعودية بالتضييق على الاحتجاجات فهو يعكس حجم الاحتقان المكتوم في الشارع الجنوبي الشارع الذي لم يعد يكتفي بالبيانات بل تحول بحسب تعبيره إلى بيئة حاضنة لثقافة شعبية جديدة تتجسد في القصائد والأغاني المناهضة للسياسات السعودية.
والمفارقة الصارخة هنا تكمن في معركة “الشرعية والوجود” ففي الوقت الذي تعاملت فيه دوائر القرار مع قرار تفكيك المجلس الانتقالي باعتباره “إعداماً سياسياً” ناجحاً يصر جناح الزبيدي على أن هذا الحل وُلد تحت ضغط قسري وأن الكيان لم يمت بل يمارس نشاطه من عدن وعواصم القرار الغربي هذا التناقض الصارخ بين محاولات الإلغاء الفوقية وعناد البقاء الميداني هو ما يخلق بيئة لغم أرضي موقوت.
ولا يمكن قراءة هذا الانفجار بمعزل عن العبث المستشري في بنية السلطة الشرعية نفسها ومجلس قيادتها الرئاسي. فالتخبط الحكومي الأخير من تعديلات وزارية متسارعة مروراً بأزمة استقالة وزير التخطيط والتعاون الدولي بدر باسلمة وصولاً إلى الارتباك في حقائب الإدارة المحلية وشؤون المرأة يكشف بوضوح أن السلطة تعيش حالة من التآكل الداخلي والمحاصصة العمياء التي عجزت عن إدارة مؤسساتها فكيف لها أن تدير ملفاً بحجم الجنوب؟
إن التراجع عن قرارات التعيين وإعادة تدوير الأزمات داخل كواليس السلطة يؤكد أن الشركاء منشغلون بتقاسم الغنائم وتقليص النفوذ المتبادل بينما تشتعل الأرض من تحت أقدامهم.
إن التلويح بالتمرد المسلح وتحريك التشكيلات العسكرية ضد السعودية ليس مجرد ورقة ضغط تفاوضية فحسب بل هو “لعبة حافة الهاوية” التي قد تحرق أصابع الجميع. عندما تصل الثقة إلى مرحلة الصفر وتصبح لغة السلاح هي البديل المحتمل عن لغة السياسة فإننا لا نكون أمام مجرد أزمة سياسية عابرة بل أمام مخاض عسير لصدام داخلي قد يقوض ما تبقى من جدار الاستقرار الهش في المحافظات الجنوبية.
الرياض أمام اختبار دقيق وجناح الزبيدي يخوض معركة كسر إرادات أخيرة وحدها الأيام القادمة ستكشف عما إذا كان هذا التصعيد مجرد صرخة في وجه الريح أم شرارة لواقع عسكري جديد سينفجر في وجه الجميع.






