اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

وداعاً خالي العزيز

وداعاً خالي العزيز

بقلم/ د. أبوبكر باجسير
الاربعاء 5 / 8 / 2026م

*منذ أن وعيت على الدنيا كنت أرى في خالي صورة ذلك الإنسان الطيب والممرض الماهر. كنت صغيراً حينها يوم عرفت أن خالي (طبيب)، أو هكذا كنا نسميه. وعلى الرغم من أني كنت أكره الطبيب وأخاف منه مثلي مثل باقي الأطفال، غير أن خالي كان طبيباً مختلفاً عن كل الأطباء، كان الطبيب الذي أحبه، ولا أكره علاجه، ولا أخاف الإبر التي كان يقررها لي الأطباء لأن الذي سيتولى حقنها لي هو خالي.* *الغريب أني لم أكن أشعر بألم تلك الإبر وكأن يده الحانية كانت تخفف علي آلامها، بل الأغرب أني كانت لي في صغري عادة عجيبة، فقد كنت أكره تناول الحبوب بل لا أجيد بلعها مهما كان نوعها وأياً كان حجمها، صغيرة كانت أم كبيرة، وكنت أطلب من الطبيب أن يقرر لي الإبر بدلاً من الحبوب، لأني كنت أعلم أن إبرة في العضل من يد خالي كانت ستصبح أهون علي من ابتلاع حبة لن يساعدني خالي في ابتلاعها.* *حتى جاء ذلك اليوم الذي تمكنت فيه من ابتلاع الحبة بمساعدة خالي، يومها ضحكنا معاً، وأسرّها خالي في نفسه، وكأنه كان يقول لي: عليك أن تدرك أن الأمور كلها يسيرة حتى لو لم يكن ثمة خال يحبك وتحبه يقنعك بأنها كذلك.*
*شاءت الأقدار أن تجعل من خالي رجل المهمات الإنسانية، فحين أمرض أنا أو يمرض أي فرد من أسرتنا فليس هناك من يتولى الاعتناء به أفضل من خالي. لا يقتصر الأمر على مجرد إعطائه الإبر، بل يتجاوز ذلك إلى العناية الطبية الفائقة، ويوم أن تعلمت في المدرسة أن الأطباء هم ملائكة الرحمة كان صعباً علي أن أتخيل صورة تلك الملائكة فتخيلتهم في صورة خالي. ففي عيادة الدكتور كان دائماً ينتظرنا خالي، وفي المستشفى الحكومي كان الذي يدخل مريضنا إلى الطبيب هو خالي، وإن استدعى الأمر الذهاب إلى المستشفى البعيد في سيئون أو المكلا فلابد من وجود خالي في مقدمة المرافقين وطليعتهم.*
*كبر خالي وكبرت معه، وبدأت أفطن إلى كثير من الأشياء التي كانت تغيب عني أيام صغري، ولم يعد خالي مجرد طبيب أو ممرض، بل أصبح في نظري شيئاً أكبر.  وبحكم موقعي في ترتيب العائلة كان لزاماً علي القيام ببعض الأمور التي قد لايجيدها غيري، فكان لابد من أن أتخذ خالي رفيقاً معيناً ومستشاراً خبيراً، فكنت أهرع إلى خالي كلما حزبني أمر، وأطرق بابه المفتوح لنا دوماً كصدره الحنون كلما عجزت عن اتخاذ قرار مصيري،  وإذا قيل لي ماذا نفعل وكيف نتصرف في أمر ما كنت أقول للجميع انتظروا حتى أستشير خالي.*
*كبرنا معاً وشاءت الأقدار أن تضعني بجوار خالي في مهماته التي لا يتصدى لها أحد غيره، كنت ثاني اثنين معه في كثير من الرحلات التي نرافق فيها أقاربنا حين يمرضون وحين يقضون أياماً وليالي طويلة في المستشفى، أعترف أني لم أكن أمتلك المهارة التي كان يمتلكها في الاعتناء بالمريض، غير أني كنت أشعر بالاطمئنان لوجوده معي، وحين كنت أمارس بعضاً من أدواره كنت أفعل ذلك مكرهاً، بينما كان هو يفعله برضا نفس، وبدافع من ضمير وعن حب واقتناع.* *ويوم أن تقدم العمر بخالي قليلاً و بدأ يتخلى عن بعض هذه الأدوار لمرضه وكبر سنه وعدم استطاعته القيام بها كما يجب كان لزاماً علي أن أنسحب مثله، لأني أعلم أني لن أتقن المهمة إلا في وجود خالي معي.*
*عذراً خالي العزيز، فقد قصرنا معك في سنينك الأخيرة، كنا نسمعك تخبرنا بأنك متعب ولا نكترث. لا لشيء إلا لأنه كان يصعب علينا تصديقك، فكيف لك أن تتعب وأنت مصدر راحتنا جميعاً، كيف يمكن أن تتألم وأنت الذي كنت تجيد تخفيف الآلام عنا، كنت تريدنا أن نسهر على راحتك فلم نفعل، لأننا لم ندرك أبداً أن من اعتاد السهر على راحة الآخرين سيطلب منهم يوماً رد الجميل. لم يخطر ببالنا أنك ستحتاج يوماً ليد حانية، لأننا لم نجد يداً حانية كيدك، ولا قلباً طيباً كقلبك، حتى سقطت مغشياً عليك في لحظة لم نكن ننتظرها أبداً وأبيت إلا أن تموت واقفاً كالنخلة، في ليلة لم نفكر أنها ستأتي أو على الأقل لم يكن بمقدورنا التسليم بأن أوانها قد اقترب.*
*كيف لا أبكيك خالي الحبيب وقد تركت فينا جرحاً لا يندمل؟، كيف لا أبكيك وقد تركت فراغاً لن يسده غيرك. أنت تعلم جيداً وقع المصائب علينا يوم أن كنت تشاركنا في احتمالها، لكنها المرة الأولى التي تنزل بنا مصيبة لا يمكن أن نتشاركها معاً، لا يمكن أبداً، كيف لنا ذلك و مصيبتنا هذه المرة فيك، ومصابنا اليوم هو أنت.*
*وداعاً أيها الخال النادر والحبيب الذي لن يعوض، وداعاً يا من أجمع الكل على محبته وتقديره في حياته وأجمعوا على الذهول والصدمة والفجيعة يوم رحيله. إن كان الراحلون يغيبون عن الذاكرة بعد حين، فأنت الراحل الذي لا يغيب.*

إغلاق