قضية حضرموت تذبح من الوريد الى الوريد
بقلم | المحامي صالح باحتيلي النعماني
المشاريع السياسية الكبرى لا تسقط دائماً بسبب ضعف فكرتها، ولا لأن أصحابها لا يملكون قضية عادلة، وإنما قد تسقط بسبب سوء إدارة الصراع، وضعف التمثيل السياسي، وغياب الحذر من الاختراقات التي تأتي من داخل المشروع نفسه.
وهذه واحدة من أخطر المعضلات التي يمكن أن تواجه أي مشروع سياسي أو وطني: أن ينجح في بناء حاضنة شعبية واسعة، ثم يسمح، نتيجة ضعف الإدارة أو سوء التقدير، بدخول أطراف تحمل أجندات مختلفة إلى مفاصل المشروع، فتبدأ عملية تغيير اتجاهه من الداخل، وبأدوات تبدو في ظاهرها دفاعاً عنه وحماية لوحدته.
وهنا تحديداً تكمن الخطورة، فالمشروع الذي لا يمتلك قيادة سياسية قوية، قادرة على قراءة ما وراء التصريحات والمواقف، وفهم طبيعة الصراعات والتحالفات وما يُدار خلف الكواليس، يصبح عرضة لأن يتحول من مشروع يملك أهدافاً واضحة إلى ساحة مفتوحة للمناورة السياسية.
تغريدة تفتح باباً واسعاً للتساؤلات، في هذا السياق، جاءت تغريدة أحمد بن بريك على منصة «إكس»، التي تحدث فيها عن أنه استطاع الضغط على محافظ حضرموت باتجاه استيعاب الملاحظات والحيثيات التي أوردها لتصحيح سير عمل اللجنة المكلفة بتأسيس المجلس التنسيقي الحضرمي.
التي أعلن فيها تراجعه عن قرار تجميد عضويته في اللجنة، مبرراً ذلك بالحفاظ على وحدة الصف التوافقي والشراكة الحقيقية، ودفع مسار العمل إلى الأمام، وإنجاح جهود الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، لتكون حضرموت، بحسب ما ورد في حديثه، العجلة الرئيسية في قيادة زخم هذا الحوار، لقد حصل على نصيحة انه من هنا سيتم غزوا حضرموت ولي عنق قضية حق تقرير المصير لحضرموت واخضاعها لمشروع الجنوب مجددا .
قد تبدو هذه العبارات، للوهلة الأولى، عبارات سياسية عامة تتحدث عن الشراكة والحوار وتصحيح المسار. لكن عند وضعها في سياق الصراع السياسي حول مستقبل حضرموت، فإنها تفتح أسئلة أكبر بكثير من حدود اللجنة أو الخلاف التنظيمي. ما طبيعة الدور الذي يُراد لحضرموت أن تلعبه في الحوار الجنوبي ـ الجنوبي؟ وهل المقصود أن تكون حضرموت طرفاً مستقلاً يقرر موقعه ومستقبله السياسي بنفسه، أم أن يتم تحويلها إلى منصة لإعادة إنتاج المشروع الجنوبي داخل حضرموت؟ هنا تكمن المسألة. من داخل المشروع يمكن تغيير اتجاه المشروع الحضرمي الذي يسير باتجاه قيام دولة حضرموت.
إذا كان المجلس التنسيقي الحضرمي قد نشأ في الأساس في سياق سياسي يعبّر عن خصوصية حضرموت، وعن تطلعات قطاع من أبنائها إلى امتلاك قرارهم السياسي وتحديد مستقبلهم بأنفسهم، فإن إدخال المشروع في مسار الحوار الجنوبي ـ الجنوبي، وضمن مشروع الجنوب اليمني، يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام حوار بين مشاريع متساوية، أم أمام محاولة لاختطاف المشروع الحضرمي الى داخل المشروع السياسي الذي حارب حضرموت منذ ضمها عام 1967، ثم أعاد اجتياحها عندما بدأت تتحدث عن الحق في تقرير مصيرها في 2025، بحيث يصبح الحوار وسيلة لإعادة حضرموت إلى المسار الذي خرجت منه؟
المشكلة هنا ليست في الحوار من حيث المبدأ. الحوار السياسي ضرورة، بل إن المشاريع الكبرى لا يمكن أن تعيش من دون الحوار. لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول الحوار من وسيلة لحماية حق أصحاب المشروع في تقرير مصيرهم ومستقبلهم إلى أداة لإعادة تعريف المشروع نفسه من الداخل ثم تفتيته. وهنا يصبح الاختراق السياسي أخطر من المواجهة المباشرة. فالمواجهة المباشرة تجعل الخصم واضحاً، بينما الاختراق يحدث من داخل المؤسسات، ومن خلال الشعارات نفسها التي يرفعها أصحاب المشروع: الشراكة، الوحدة، التوافق، تصحيح المسار، رفض الإقصاء والتهميش. ماذا تعني عبارة “تصحيح المسار “العبارات السياسية لا يمكن فصلها عن السياق الذي وردت فيه. فعندما يقال إن هناك حاجة إلى «تصحيح المسار»، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: تصحيح المسار باتجاه ماذا؟
إذا كان المقصود تصحيح الاختلالات الإدارية والتنظيمية داخل اللجنة، فهذا أمر طبيعي ومطلوب. أما إذا كان «تصحيح المسار» يعني إعادة جر المشروع السياسي الحضرمي برمته نحو المشروع الجنوبي، فهنا نحن أمام قضية مختلفة تماماً. وهذا ما يجعل بعض العبارات الواردة في التصريح بحاجة إلى قراءة سياسية دقيقة، لا إلى التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات إجرائية. بمعنى قبول اللجنة بهذه الملاحظات بمثابة وثيقة ملزمة ستلف حول عنق المحافظ وحضرموت وجرها كالبهيمة الى مشروع جنوب اليمن.
فرفض الإقصاء والتهميش أمر مشروع، لكن ينبغي أن يكون السؤال: إقصاء من؟ وتهميش ماذا؟ هل يعد رفض من يقف ضد اهداف شعب حضرموت في تقرير المصير تهميشا؟ وهل المطلوب حماية تمثيل حضرموت وحقها في أن تكون صاحبة قرارها، أم حماية حضور القوى التي تريد إبقاء حضرموت ضمن مشروع الجنوب والإبقاء على حالة الاحتلال التي وقعت فيها حضرموت في ظروف غير عادية ؟
الفرق بين الأمرين كبير جداً.أخطر ما يمكن أن يحدث: أن يتحول المشروع إلى أداة ضد نفسه
بمعنى ان المشاريع السياسية لا تُهزم دائماً من الخارج. أحياناً تكون الهزيمة أكثر سهولة عندما يتمكن خصوم المشروع من العمل من داخله، أو عندما يتم منحهم مواقع مؤثرة تمكنهم من إعادة توجيه القرار تدريجياً. وفي هذه الحالة لا يحتاج الخصم إلى إسقاط المشروع. بل يكفي أن يعيد تعريفه. يكفي أن تصبح القضية التي قام من أجلها المشروع مجرد ورقة ضمن مشروع سياسي آخر. وهنا يمكن أن يحدث الأمر الأخطر: أن يظل اسم المشروع كما هو، بينما تتغير وظيفته السياسية. فيبقى الحديث عن حضرموت، وعن استحقاقاتها، وعن عدم تقزيم دورها، بينما يجري عملياً دمج مستقبلها في مشروع سياسي آخر.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ينتبه إليها كل من يتعامل مع القضية الحضرمية. “لن نسمح بتقزيم دور حضرموت”… السؤال: أي حضرموت؟ العبارة في حد ذاتها جذابة سياسياً: “لن نسمح بتقزيم دور حضرموت، أو مصادرة استحقاقاتها في الترتيبات السياسية القادمة”. لكنها تحتاج إلى إجابة واضحة: ما هي استحقاقات حضرموت؟ هل تعني ان تضل تحت حالة الضم والالحاق التي تعرضت لها منذ 1967. أم أن الاستحقاق هو أن يكون لأبنائها الحق في تقرير مصيرها ومستقبلها ؟ هل “عدم تقزيم حضرموت” يعني أن تكون حضرموت رقماً داخل مشروع الجنوب الذي اجتاحها قبل اشهر؟
هذه الأسئلة هي جوهر القضية ، والمشكلة ليست في ساسة الجنوب الماكرون فقط… بل في ضعف إدارة المشروع الحضرمي، ومع ذلك، فإن تحميل الآخرين وحدهم مسؤولية ما يحدث لا يعفي القيادة التي تمثل المشروع الحضرمي من مسؤوليتها. وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
المشروع الاستراتيجي يحتاج إلى قيادة استراتيجية. يجب أن يكون هناك أشخاص قادرون على إدارة الصراع السياسي، وقراءة تحركات الخصوم، واكتشاف محاولات الالتفاف على المشروع قبل أن تصبح أمراً واقعاً. ومن لا يقرأ هذه المساحة من السياسة، قد يجد نفسه بعد فترة يدافع عن مشروع لم يعد يشبه المشروع الذي بدأ به.
والسؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هنا: ما هو اتجاه حضرموت؟ إذا كانت البوصلة تشير إلى حق حضرموت في تقرير مستقبلها، فإن أي محاولة لإعادة تعريف هذا الحق على أنه مجرد تحسين لموقع حضرموت داخل مشروع جنوبي تصبح تغييراً للبوصلة نفسها. من عدن إلى حضرموت… الصراع على المشروع لا على الشعارات، ربما يعتقد البعض أن تحقيق نتائج سياسية من داخل مشروع حضرمي أكثر فاعلية من إطلاق التصريحات والصراخ من عدن.
ومن الناحية السياسية، قد تكون هذه القراءة صحيحة من حيث الأدوات: فالعمل من داخل المؤسسات، وبناء النفوذ، وصناعة التحالفات، والتأثير في القرار، كلها أدوات أكثر فاعلية من الخطابات وحدها. لكن السؤال الأهم هو: لصالح أي مشروع ستُستخدم هذه الأدوات؟ إذا استُخدمت لتغيير اتجاه المشروع الحضرمي من الداخل، وتحويله إلى جسر نحو مشروع سياسي آخر، وهنا بالضبط تكمن خطورة الاختراق السياسي. حضرموت أمام لحظة سياسية شديدة الحساسية وقضيتها سوف تذيح من الوريد الى الوريد. وأخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يأتي مشروع آخر ويعلن صراحة أنه يريد احتواء حضرموت. بل أن يتم ذلك من داخل المؤسسات الحضرمية نفسها، وتحت عناوين الشراكة والحوار وتصحيح المسار ورفض الإقصاء. المحامي صالح باحتيلي النعماني- محام مترافع امام المحكمة العليا






