حضرموت بين مرارات الماضي وتطلعات المستقبل: قراءة في خيارات الموقف والسيادة
بقلم: أ. د. خالد سالم باوزير
يتحدث الكثير من أبناء حضرموت اليوم بأسى وعمق عما آلت إليه الأوضاع في المحافظة؛ فالأحداث المتلاحقة التي شهدتها المنطقة وصولاً إلى الأحداث الأخيرة ومغامرة المكون الجنوبي في حضرموت، جعلت المشهد أكثر تعقيداً.
ورغم أن العديد من الحضارم يُرون -وهذا حقهم الشخصي والسياسي- أن إعادة الدولة الجنوبية هي الحل، على أن تكون حضرموت جزءاً أساسياً منها، إلا أن هناك نقاطاً جوهرية وحقائق تاريخية وسياسية لا بد من طرحها بشفافية ومراجعتها بدقة:
أولاً: تقييم تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي:
عند تقييم مسيرة المجلس الانتقالي على مدى السنوات العشر الماضية، نطرح أسئلة مشروعية ومصيرية:
* هل يؤمن المجلس الانتقالي بالشراكة الحقيقية؟ وهل منح حضرموت نسبتها المستحقة في الهيئات القيادية أو في مؤسسات الجيش والأمن؟
* كم تبغ نسبة التمثيل الحضرمي في رئاسة الانتقالي عند قياسها بمساحة حضرموت وثقلها السكاني والاقتصادي؟
ثانياً: شواهد من تجربة “دولة الجنوب” السابقة:
لقد خضنا تجربة الدولة الجنوبية سابقاً، وكان الحضارم فيها -في أغلب الأحيان- يُعاملون كـ “توابع”، على الرغم من تقلد بعضهم مناصب قيادية وسياسية رفيعة. إلا أن تلك القيادات كانت تفتقر للغطاء والنفوذ العسكري؛ حيث كان بإمكان ضابط عسكري ينتمي إلى محافظة محددة أن يرفض أوامر أعلى مسؤول جنوبي ينتمي لحضرموت!
نعم، برز الحضارم في تلك الدولة ككوادر تكنوقراطية وذكية أدارت مفاصل الدولة (مثل وزراء المالية والأمن والجيش أمثال مدحي، وبن حسينون، وصالح منصر، والقادة العسكريين أمثال عمر العطاس، وعلي سعيد عبيد، وعمر بارشيد، وحيدر العطاس لمقبوليته الإقليمية)، لكن القرار العسكري والسياسي النافذ ظل بعيداً عنهم.
ثالثاً: الكادر الحضرمي والنزاعات العصبوية:
كان معظم شباب حضرموت وخريجي الثانوية ينخرطون في التعليم، بينما كان التحاقهم بالجيش نادرًا ومحدودًا؛ نظراً لغياب العقيدة الوطنية الجامعة، ولأن قيادات الحزب الحاكم كانت تدخل في صراعات واقتتال داخلي دموي كل بضع سنوات (كما حدث في عامي 1978م و 1986م)، مما جعل المؤسسة العسكرية بيئة غير جاذبة أو آمنة للتطلع الحضرمي.
رابعاً: حضرموت حقل تجارب للمليشيات والتنظيمات:
ظلت حضرموت -للأسف- ميداناً لتطبيق التجارب السياسية والعسكرية المختلفة، بدءاً من “مجلس الشعب الأعلى” و”اللمجالس المحلية”، وصولاً إلى “اللجان الشعبية” والتشكيلات المسلحة.
ومع احترامي لآراء المطالبين بالعودة لدولة الجنوب تحت مظلة الانتقالي، نسأل: هل أعد الانتقالي دستوراً واضحاً يحدد كيفية إدارة المحافظات؟ فالوثيقة التي أُقرت في الجمعية الوطنية لم تكن صريحة في تحديد شكل الدولة (هل هي فدرالية أم كنفدرالية؟).
كما أن صناعة القرار لا تزال تتسم بالفردية والمركزية بدلاً من النهج المؤسسي الجماعي.
إننا لا نريد تكرار أخطاء الماضي؛ وكان الأحرى بالمجلس الانتقالي إعادة تقييم عمله خلال السنوات العشر الماضية وتحديد أخطائه ومعالجتها، بدلاً من اتخاذ قرارات ومغامرات عسكرية في حضرموت شكلت القشة التي قصمت ظهر البعير.
إن الواقع يثبت -حتى اليوم- غياب “رجال الدولة” في الجنوب ممن يؤمنون بشراكة ندية حقيقية وليست شكلية مع بقية المحافظات.
خامساً: التهميش المزدوج (الجنوب والشمال)
لم تستفد حضرموت حقيقةً لا من الجنوب ولا من الشمال.
الطرف الشمالي:
عانينا على مدى 35 عاماً من أزمات متتالية بدأت بعد ستة أشهر فقط من إعلان الوحدة عبر موجة الاغتيالات. وبعد اكتشاف النفط، أضحت ثروات حضرموت مطمعاً لقوى النفوذ في صنعاء، لتندلع حرب 1994م التي دخلت بها حضرموت والجنوب تحت واقع “الاحتلال الشمالي”.
تم تسريح الآلاف من القيادات العسكرية والمدنية الجنوبية، واستأثرت القوى الشمالية بكل شيء: النفط، الثروة، الأراضي، والمناصب القيادية في الساحل والوادي وصولاً إلى الخشعة والعبر حتى سقوط صنعاء عام 2015م.
غياب اعتراف النخب:
طوال الفترة من 1994م إلى 2015م، لم يتحدث أي سياسي أو مثقف شمالي عن المظالم الواقعة على حضرموت والجنوب، ولم يبدأ الاعتراف بهذه الظلامة (كما صرح علي محسن الأحمر وغيره) إلا بعد أن سقطت السلطة في صنعاء، بينما أصرت بقية النخب السياسية والثقافية على التجاهل.
المخرج والحلول الممكنة:
ضمن احترام كافة الآراء السياسية المطروحة، أرى أن أي تقارب أو اندماج لحضرموت في دولة جنوبية قادمة يجب أن ينطلق من الشروط الآتية:
الخيار الفدرالي/الكنفدرالي بضمانات: أن تكون حضرموت إقليماً في دولة كنفدرالية أو فدرالية وفق شروط وضمانات مسبقة ومثبتة في اتفاقات أممية وإقليمية.
شرط حق تقرير المصير:
يُنص في الاتفاق على أنه في حال عدم التزام الأطراف الجنوبية بشروط الشراكة خلال مدة أقصاها سنتان، يحق لحضرموت تلقائياً ومباشرة التوجه لبناء دولتها المستقلة. (فهل سيوافقون على هذا المخرج؟).
ضمانات الأقاليم:
إن مشروع “الأقاليم” ببرنامجه الحالي كان غاية للأحزاب اليمنية (شمالاً وجنوباً) للاستحواذ على حضرموت وثرواتها، دون تقديم أي نفع حقيقي لأبنائها سوى الفساد وتوزيع المناصب والمنح والوظائف الدبلوماسية للمقربين.
الأقاليم ما لم تُبنَ على أسس عادلة وضمانات قوة تحميها، ستؤدي إلى استقواء أصحاب الكثرة والسلاح مجدداً للسيطرة على حضرموت والعودة بنا إلى المربع الأول.
الخلاصة وتطلعات المستقبل:
تاريخياً، وحتى في زمن الممالك اليمنية القديمة قبل الإسلام، كانت الدولة القوية تعتدي على الأضعف وتحتلها، واليوم، يتفق الكثير من الفاعلين في الشمال والجنوب على إبقاء حضرموت تابعة لهم، ليس حباً في أبنائها أو رغبة في الشراكة معهم، بل طمعاً في جغرافيتها ومخزونها الثري من الثروات والموارد التي كشفت التقارير الدولية جزءاً منها وما خفي كان أعظم.
إن الرأي الشخصي حق لكل فرد، لكن القرار المصيري يجب أن يعود لأغلبية المجتمع عبر استفتاء شعبي حقيقي يُعتمد فيه جدول الناخبين والسكاني الموثق بتاريخ 22 مايو 1990م، وليس وفق القوائم الديموغرافية الراهنة التي أثرت عليها موجات نزوح وسكن الوافدين المتتابعة بعد أعوام 1990م، و1994م، و2015م.
أمام حضرموت اليوم خياران استراتيجيان صريحان يضمنان استقرار الأجيال القادمة ويُنهيان دوامة الصراعات والفقر:
الخيار الأول:
العمل الجاد والمخلص من جميع الحضارم لتأسيس دولة حضرمية مستقلة ذات سيادة.
الخيار الثاني:
التوجه نحو الاتحاد أو الوحدة مع المملكة العربية السعودية وفق اتفاق تاريخي يؤيده ويثبته استفتاء شعبي حضرمي.
تلك هي الأفكار والرؤى المطروحة للبحث والنقاش، بعيداً عن العواطف والشعارات المستهلكة، حرصاً على مستقبل أجيالنا وأرضنا.






