اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الرجولة مسئولية … وليست مظاهر

الرجولة مسئولية … وليست مظاهر

بقلم | صالح برك الجابري
السبت 18 يوليو 2026

من أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع أن يختلط فيه مفهوم الرجولة بمفهوم الاستعراض، وأن تتحول قيمة الإنسان من أخلاقه وعمله وإنجازه إلى قطعة حديد يعلقها على كتفه، أو جنبية يزين بها خاصرته، أو جعاب يتباهى به أمام الناس.

لقد أصبحنا نرى جيلاً يظن أن الرجولة تُشترى من سوق السلاح، وأن الهيبة تُفصل عند صانع الجنابي، وأن احترام الناس يأتي بعدد الجعاب لا عدد الإنجازات.

وهنا تبدأ الكارثة.

فالرجولة لم تكن يوماً مظهراً، بل كانت مسؤولية. لم تكن صورة تلتقط في مناسبة، ولا جلسة يتصدر فيها صاحب أعلى صوت وأغلظ لهجة، وإنما كانت تعني أن تكون قادراً على إعالة بيت، وحماية أسرة، والوفاء بوعد، والقيام بحقوق الناس، وأن تكون رقماً صعباً في ميادين العمل والإنتاج، لا في ميادين الاستعراض.

لكن بعض الشباب اليوم -وليس الجميع- يعيش معادلة عجيبة؛ فقد لا يملك وظيفة، ولا دخلاً ثابتاً، ولا مشروعاً، ولا شهادة، ولا مهارة، ولا حتى قيمة السلاح الذي يحمله، ومع ذلك تجده حريصاً على أن يظهر بمظهر “الفارس” وكأن المجتمع سيغفر له الفشل والبطالة إذا كانت جنبيته ثمينة.

بل إن المأساة تبلغ ذروتها عندما يكون ثمن هذا الاستعراض مدفوعاً من جيب والده، أو أخيه، وربما من والدته، أو حتى من ابنه الذي يعمل ليعيل الأسرة. فتجد الرجل يحمل سلاحاً لا يستطيع شراء رصاصه، ويرتدي جنبية لو طُلب منه ثمنها لعجز عن دفعه، لكنه مقتنع أنه أصبح من “الرجال”.

أي رجولة هذه التي يعيشها الإنسان على حساب تعب غيره؟

والأدهى من ذلك أن بعضهم لا يكتفي بالمظهر، بل يضيف إليه جرعة من التمثيل. فتراه يغيّر نبرة صوته، ويُعوج لسانه، ويثقل ألفاظه، ويتحدث وكأنه خرج لتوه من مجلس شيوخ قبل مائتي عام، ويغرق في الحديث عن الأحساب والأنساب، وكأن التاريخ الشخصي لأجداده يعفيه من صناعة تاريخه هو.

ولو فتشت في حياته لوجدت أن أكبر إنجازاته أنه يحفظ أسماء القبائل أكثر مما يحفظ أسماء الشركات التي يمكن أن يعمل فيها، ويعرف أنواع البنادق أكثر مما يعرف أنواع المهن، ويتحدث عن أمجاد الأجداد ساعات، لكنه يعجز عن التحدث عن مجد يخصه ولو في دقيقة واحدة.

وهذه ليست قوة… بل هروب.

فالإنسان عندما يعجز عن صناعة قيمة حقيقية لنفسه، يبحث غالباً عن قيمة مستعارة؛ مرة من اسم قبيلته، ومرة من سلاحه، ومرة من مظهره، ومرة من صوته المرتفع. لأنه يعلم في داخله أن الإنجاز الحقيقي يحتاج إلى تعب، أما المظاهر فلا تحتاج إلا إلى مال… وقد يكون مال غيره.

لكن الواقع يكذب ذلك كله.

والدليل بسيط جداً…

راقب الناس عندما يمدحون شاباً في مجلس، ثم راقبهم عندما يتقدم لخطبة إحدى بناتهم. ستجد أن كل المظاهر التي كانوا يصفقون لها تختفي فجأة، وتبدأ الأسئلة الحقيقية:

هل يصلي؟

كيف أخلاقه؟

هل يعمل؟

هل يعتمد على نفسه؟

هل يستطيع فتح بيت؟

كيف يشهد الناس له؟

لم يسأل أحد عن سعر جنبيته، ولا عن نوع بندقيته، ولا عن عدد الجعاب التي يملكها، لأن هذه الأشياء تصلح للصور، لكنها لا تصلح لبناء أسرة.

إن المجتمعات لا تنهض بمن يحفظون أشكال الرجولة، وإنما بمن يمارسون حقيقتها.

ولست ضد الجنبية، ولا ضد السلاح، ولا ضد الاعتزاز بالموروث، فهذا جزء من هويتنا وتاريخنا، لكنني ضد تحويل هذه الرموز إلى غطاء يخفي البطالة، وستار يستر الفشل، وبطاقة تعريف مزيفة باسم الرجولة.

فالسلاح خُلق ليُحمل حين تُنتهك الكرامة، وحين يُعتدى على العرض، وحين يُدافع عن الأرض والحق، لا ليصبح زينة يومية يتخفى خلفها من لم يحقق شيئاً في حياته او يتحمل حتى مسئوليتة الشخصية من دون تدخل الاخرين.

لقد أصبح بعض الناس يخلط بين هيبة الرجل وإكسسوارات الرجل، بينما الفرق بينهما كالفرق بين الصورة والحقيقة.

فالرجولة لا تُقاس بما تحمله على كتفك، بل بما تحمله على عاتقك.

ولا تُعرف بما تلبسه على خصرك، بل بما تتحمله فوق ظهرك.

ولا يصنعها صوت مرتفع، ولا لسان متكلف، ولا مجلس مليء بالمباهاة، وإنما يصنعها رجل يخرج مع شروق الشمس ليطلب رزقه بالحلال، ويعود آخر النهار وقد حفظ كرامة أسرته، وأدى حق ربه، ونفع مجتمعه.

أما الذي يظن أن قطعة من الحديد، أو بندقية، أو لقباً قبلياً ستمنحه مكانةً لم يصنعها بعمله، فهو لا يعيش الرجولة… بل يعيش دور الرجل.

إغلاق