اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

نفوس بشرية

نفوس بشرية

بقلم / أنور عبدالله با شعيوث
الجمعة 17 يوليو 2026

ورد في كتاب “الأدب المفرد” أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها ومعه أسير، وأوصاها بحفظه، فانشغلت بحديث النساء فهرب الأسير. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال ما لكِ؟ قطع الله يدكِ ! ثم عاد فوجدها تنظر إلى يديها خائفةً من أن تستجاب الدعوة، فرقّ لها ودعا *اللهم إنما أنا بشر، أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوتُ عليه، فاجعلها له زكاةً وطهورًا*.
وجاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في أولى خطبه بعد مبايعته، أنه قال: *اعلموا أن لي شيطانًا يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني*. ومن يتأمل حياة الصحابة رضي الله عنهم يرى مواقف كثيرة تتجلى فيها الطبيعة البشرية،من حدة الطبع، وتفاوت الأمزجة، والاختلاف في الاجتهاد،بل وصل الأمر بهم إلى الاقتتال فيما بينهم كما حدث في واقعة الجمل . فهم بشر،يأكلون كما نأكل، ويصيبون ويخطئون، ويحبون ويكرهون، ويذنبون ويتوبون ،لم ينتزع الله منهم بشريتهم، ولكنهم عرفوا حقيقة النفس البشرية وطبيعتها فزكّاها بالإيمان، وربّاها بالمجاهدة، فبلغوا بها أعلى مراتب الفضل.
ثم ماذا؟ ثم
إن المتأمل في كتب التراجم والسير يلحظ أن كثيرًا من كاتبيها يغلب عليهم إبراز الجانب المشرق من حياة المترجَم له، بينما تتوارى ملامحه البشرية ولا أدري أهو من حسن الظن بهم؟ كما يقول ابن عبيد الله في كتاب “بضائع التابوت”ومن عاداتهم أي المترجمين أو كاتبي السير تناسي البشريات بالجملة، ذلك دأبهم لحسن ظنهم، لا يذكرون سوى المحاسن، وفي ذلك ظلم للتاريخ، وإن كان أهل السرائر الصافية يحسبون أنهم يحسنون صنعاً”.
وللأسف، فإن المبالغة في إغداق الألقاب والصفات على الأعلام، بدافع حسن الظن، قد خيِّل للقارئ أنهم بلغوا مرتبة الكمال، مع أن الكمال لله وحده وهذه من الإشكاليات التي أورثت بعض القصور في فهم الشخصيات التاريخية عند المتلقي،
ومن يكتب عن العلماء والفقهاء والأدباء وغيرهم، لا يُطلب منه أن يفتش عن العيوب أو يتتبع الزلات، وإنما أن يكتب بميزان الاعتدال ،فيُبرز الفضائل من غير غلو، ويذكر الجوانب البشرية من غير انتقاص، حتى لا تُجرد الشخصية من إنسانيتها، ولا تنسب إليها صفات يعجز العقل عن تصورها. فنحن بشر نتأثر بما نسمع، وكلما كانت الأوصاف أقرب إلى الواقع، كان أثرها أصدق وأبقى.
ولذلك قال العقاد
“إذا كانت الأوصاف التي نقرؤها مطابقة للأوصاف التي نعقلها والتي نعهدها، فذلك هو برهان الصحة في كل مقياس.”

إغلاق