اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الشيخ العلّامة الفقيه علي بن سالم بكير باغيثان.. العالم الذي عاش للعلم ورحل وترك أثره

الشيخ العلّامة الفقيه علي بن سالم بكير باغيثان.. العالم الذي عاش للعلم ورحل وترك أثره

بقلم / د. محمود علي باعباد

حين يرحل العلماء، لا يغيب أشخاص فحسب، وإنما تنطفئ مصابيح كانت تهدي السائرين في دروب العلم، وتفقد الأمة صفحات ناصعة من تاريخها العلمي والتربوي. ومن أولئك الأفذاذ الذين آلمت الأمة وفاتهم، العلّامة الفقيه الشيخ علي بن العلامة الفقيه سالم بكير باغيثان رحمهما الله تعالى، الذي أفنى عمره في خدمة الفقه الشافعي، وتعليم طلاب العلم، وغرس قيم الإخلاص والتواضع والورع.
لقد كان الشيخ علي بن سالم باغيثان امتدادًا لبيت علم عريق، ورث العلم عن والده العلامة الشيخ سالم بكير باغيثان، فجمع بين أصالة السند، ورسوخ الفهم، وحسن التربية. ولم يكن العلم عنده وظيفة أو وسيلة لمكانة اجتماعية، بل كان رسالة عاش لها، وجاهد في سبيلها، مؤمنًا بأن خير الناس من تعلم العلم وعلّمه.
تشرفت بالتتلمذ على يديه، وقرأت عليه في الفقه الشافعي، فوجدت فيه الشيخ المربي قبل أن يكون الفقيه المحقق. كان أمينًا في نقل المذهب، شديد التحرّي في تحرير الأقوال، واسع الاطلاع على وجوه المسائل، يربط بين النصوص والقواعد، ويقرّب دقائق الفقه إلى طلابه بأسلوب يجمع بين العمق والوضوح. وكانت طريقته في التدريس تقوم على تصوير المسألة أولًا، ثم تحليلها، وبيان مداركها، وذكر اختلاف الفقهاء فيها، حتى يتكون لدى الطالب ملكة الفهم، لا مجرد حفظ الأحكام.
ولعل أبرز ما ميّز مجلسه العلمي ذلك الصبر العجيب على التعليم؛ فلم يكن يملّ من إعادة الشرح، ولا يضيق بكثرة الأسئلة، بل كان يرى أن السؤال مفتاح الفهم، وأن حسن تعليم الطالب من أعظم القربات إلى الله تعالى. ولذلك خرج من مجلسه عدد كبير من طلاب العلم الذين نهلوا من علمه وأخلاقه، قبل أن ينهلوا من محفوظاته.
ولم أعرف الشيخ في قاعة الدرس فقط، بل صحبته في السفر والحضر، فرأيته كما يكون العلماء الربانيون؛ متواضعًا، كريم النفس، باذلًا لوقته وجهده وماله، حاضرًا في خدمة الناس، بعيدًا عن مظاهر التكلف، قريبًا من الجميع، لا يفرّق بين كبير وصغير، ولا بين غني وفقير. وكانت أخلاقه العملية ترجمة صادقة لما يدرّسه من آداب الإسلام وأحكامه.
لقد كان الشيخ رحمه الله يؤمن بأن العالم لا يقاس بكثرة ما يكتب، وإنما بعظيم ما يتركه من أثر في النفوس، ولذلك كانت حياته مدرسة في التربية، قبل أن تكون مدرسة في الفقه. فكم من طالب غيّر مسار حياته بتوجيه منه، وكم من مجلس علم أحياه بصبره، وكم من خلاف علمي حسمه بحكمته، وكم من قلب أدخل إليه الطمأنينة بحسن خلقه.
إن حضرموت، التي عُرفت عبر تاريخها بمدارسها العلمية، وعلمائها الذين حملوا رسالة الإسلام إلى الآفاق، تفقد اليوم واحدًا من رجالاتها المخلصين، الذين ظلوا أوفياء لتراثها العلمي، محافظين على منهجها الوسطي، جامعِين بين الفقه والتزكية، وبين العلم والعمل.
وسيبقى الشيخ علي بن سالم بكير باغيثان حاضرًا في ذاكرة تلاميذه ومحبيه، بما تركه من علم نافع، وسيرة عطرة، وأخلاق كريمة، وسيظل اسمه مقرونًا بمجالس الفقه، وحلقات التدريس، ومواقف النبل والوفاء.
وإذا كانت سنة الله جارية في عباده، فإن عزاءنا أن العلماء وإن غابت أجسادهم، فإن آثارهم تبقى حيّة في الكتب، وفي التلاميذ، وفي كل علمٍ انتفع به الناس. وقد صدق رسول الله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، ولا شك أن شيخنا قد خلّف علمًا ينتفع به، وتلاميذ يدعون له، وأثرًا لا يمحوه الزمن.
نسأل الله تعالى أن يتغمد شيخنا الجليل بواسع رحمته، وأن ينزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعل ما قدّمه للإسلام والمسلمين في ميزان حسناته، وأن يجزيه عن طلابه خير الجزاء، وأن يبارك في ذريته وتلامذته، وأن يهيئ للأمة من يحمل راية العلم والإصلاح كما حملها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
رحم الله الشيخ العلّامة الفقيه علي بن سالم بكير باغيثان رحمة واسعة، وأكرم نزله، ورفع درجاته في أعلى عليين، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

إغلاق