اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الخطيئة الكبرى للوعي

الخطيئة الكبرى للوعي

بقلم / أ. يسلم مفيلح

حين يصنع العقلُ خصمَه بيديه
«الخطيئة الكبرى للوعي ليست في السكوت عن الحق، بل في منح الباطل حجمه الكامل بفتح جبهة معه.»
ليست كل معركةٍ بطولة، كما أن الصمت ليس دائمًا هزيمة. فالوعي لا يُقاس بعلو الصوت، ولا بكثرة الخصومات، وإنما بقدرته على التمييز بين ما يستحق أن يُقاوَم، وما يكفي أن يُهمَل حتى يذبل. فكم من باطلٍ وُلد صغيرًا، ثم كبر لا بقوة منطقه، بل بضجيج خصومه؛ وكم من فكرةٍ كانت ستنطفئ في مهدها، لولا أن الأضواء سُلِّطت عليها حتى غدت حديث المجالس، ومادة الأقلام، ومحور المنابر.
إن أخطر ما قد يفعله الوعي ليس أن يسكت عن الحق، فالحق يظل حقًا وإن قلَّ أنصاره، وإنما أن يُضفي على الباطل قيمةً ليست فيه، فيرفعه إلى منزلة الندّ، ويمنحه شرعية الظهور، ويجعله طرفًا في معركة لم يكن أهلًا لها. فالخصومة، حين تُمنح لمن لا يستحقها، تتحول إلى شهادة حضور، وقد تكون أول أبواب الاعتراف.
ولعل الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن الباطل يعيش على ما يقتات به من اهتمام الآخرين. فهو أشبه بالنار؛ لا تملك وقودها في ذاتها، وإنما تستمد اشتعالها مما يُلقى فيها. فإذا انصرف الناس عنها خمدت، وإذا جعلوها محور حديثهم استعرت، حتى ليبدو اللهيب أكبر من الحطب الذي أوقده.
وقد أدرك الحكماء هذه السنة منذ قرون، فقالوا: “إذا تمَّ العقل نقص الكلام.” لأن العقل لا ينجرف إلى كل جدال، ولا يستجيب لكل استفزاز، بل يعرف أن الحكمة ليست في أن يكون لك جواب عن كل شيء، وإنما في أن تعرف أيَّ جوابٍ يُقال، وأيَّ صمتٍ يكون أبلغ من الكلام.
وليس في ذلك دعوة إلى السلبية، أو تبرير للصمت حين يستوجب المقام البيان؛ فالسكوت عن الظلم حين يكون السكوت تمكينًا له، تقصيرٌ لا خلاف فيه. لكن بين البيان الحكيم، وبين الانجرار إلى معارك تمنح الباطل شهرةً وحضورًا، مسافةً لا يقطعها إلا أصحاب البصائر. فالمواجهة ليست غايةً في ذاتها، وإنما وسيلة، والوسائل تُقاس بنتائجها، لا بحماسة أصحابها.
لقد علمتنا التجارب أن الأفكار العظيمة لم تنتصر لأنها استهلكت أعمارها في ملاحقة خصومها، بل لأنها انشغلت ببناء الإنسان، وترسيخ المعرفة، وتقديم النموذج الحي. فالشجرة المثمرة لا تقضي عمرها في الرد على من يرشقها بالحجارة، وإنما تواصل إنضاج ثمارها، حتى يصبح الثمر نفسه حجةً على جودة الأصل.
وفي زمن الإعلام الرقمي، ازدادت هذه الحقيقة وضوحًا. فقد أصبحت الشهرة سلعةً تُصنع من الجدل، وصار بعض الباطل يبحث عمّن يعارضه أكثر ممن يؤيده؛ لأن الخصومة المجانية تفتح له أبواب الانتشار، وتمنحه جمهورًا لم يكن ليبلغه بوسائله المحدودة. وهكذا يتحول المدافع عن الحق، من حيث لا يقصد، إلى أداة دعاية لخصمه، إذا غابت عنه حكمة التقدير.
إن الأمم الواعية لا تسمح لخصومها أن يرسموا لها أولوياتها. فهي لا تجعل وقتها رهينةً لكل شبهة، ولا فكرها أسيرًا لكل صوتٍ عابر، بل تستثمر جهدها في بناء الوعي، لأن النور لا يطارد الظلام في الأزقة؛ يكفيه أن يشرق، فيتراجع الظلام من تلقاء نفسه. وهذه سنةٌ تتكرر في الفكر كما تتكرر في الطبيعة.
ولعل أبلغ ما يختصر هذه الفلسفة قول الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: “اعرف الحق تعرف أهله.” فالانشغال بالحق أولى من الانشغال بالباطل، لأن من رسخت في قلبه الحقيقة، لم تفتنه الزخارف، ولم تستوقفه الضوضاء طويلًا. فالحق أصل، والباطل طارئ، والأصل باقٍ وإن حورب، والطارئ زائل وإن انتفخ.
إن الوعي في أرقى صوره ليس ردَّ فعل، بل فعلٌ مؤسس. وليس خصومةً دائمة، بل مشروع بناء. إنه القدرة على أن تمنح الحق وقتك، بدل أن تمنح الباطل عمرك. وأن تجعل رسالتك صناعة العقول، لا مطاردة الأوهام.
وفي آخرالمطاف، تبقى الخطيئة الكبرى للوعي أن ينسى رسالته، فيتحول من باني حقيقةٍ إلى مروّجٍ لخصومة، ومن حامل نورٍ إلى عاكسٍ لضجيج الباطل. فليس كل ما يعلو يستحق أن يُسمع، وليس كل ما ينتشر يستحق أن يُقاوَم. وبعض الباطل لا يُهزم بالسجال، بل يُهزم بالتجاهل الحكيم، وبالانشغال عنه ببناء الإنسان، وغرس الحقيقة، حتى إذا أشرقت شمسها، تلاشت ظلال الزيف من غير ضجيج، كما يتبدد الضباب أمام أول خيطٍ من نور الفجر.

إغلاق